كانت الرياح تعوي فوق حافة المنحدر كأنها أرواح تائهة تطالب بالخلاص. في الأسفل، كانت الأمواج تلطم الصخور السوداء بضراوة، صدى ارتطامها يشبه دقات قلبٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة. وقف زيد وداليا متلاصقين، أجسادهما تشكل حاجزاً هشاً أمام العدم، لكن الخطر الحقيقي لم يكن الهاوية خلفهما، بل كان الرجل الذي يقف على بعد خطوات قليلة، بملامحه التي نُحتت من الجليد والذكريات الميتة.
"ظننتكِ أكثر ذكاءً يا داليا،" قال الرجل بصوتٍ أشبه بفحيح أفعى، ممسكاً بمسدس كاتم للصوت ببرودٍ مرعب. "ظننتُ أنكِ تعلمتِ أن الموتى لا يغادرون قبورهم ما لم يُدفع لهم ثمنٌ باهظ."
شعرت داليا بيد زيد تشتد على خصرها، قبضته لم تكن مجرد حماية، بل كانت تملكًّا غريزياً، كأنه يحاول دمجها في كيانه لتكونا روحاً واحدة في جسد واحد. كانت أنفاسه الساخنة تلامس أذنها، ورائحة التبغ والبارود التي تفوح منه أثارت في جوفها مزيجاً غريباً من الرعب والنشوة. إنها المفارقة المظلمة التي سكنت قلبها منذ التقت به؛ هو قاتلها المحتمل، ودرعها الوحيد.
همس زيد بصوتٍ منخفض، نبرته تحمل تهديداً مكتوماً: "لا تنظري إليه، انظري إليّ فقط. تنفسي معي، داليا."
رفعت عينيها لتلتقي بعينيه الرماديتين اللتين كانتا تشتعلان ببريقٍ وحشي. في تلك اللحظة، تلاشى صوت الرياح، وتلاشى الرجل الذي يهدد حياتهما. لم يبقَ في العالم سوى الانجذاب المغناطيسي الذي يشدّهما نحو بعضهما، توترٌ كهربائي يجعل جلدها يقشعر كلما اقترب أكثر. لقد كان هو الرجل الذي يكسر كل قيودها، والذي يستمتع برؤية انكسارها بقدر ما يستمتع بجمع شتاتها.
"هل تتذكرين الليلة التي أحرقتِ فيها كل شيء؟" تابع الغريب، وخطا خطوة للأمام، كاشفاً عن ندبة عميقة تمتد من عينه حتى ذقنه. "لقد نجوتُ يا داليا. نجوتُ لأرى كيف ستكون نهايتكِ في أحضان هذا المعتوه."
ارتجفت داليا. لم يكن الخوف من الموت هو ما شلّ حركتها، بل كان الحقيقة التي بدأت تطفو على السطح كجثةٍ في مياه راكدة. لقد أخفت الكثير، وزيد... زيد كان يعرف، لكنه كان ينتظر اللحظة التي ستعترف فيها بنفسها.
"أنت لا تملك شيئاً تخسره،" قال زيد موجهاً كلامه للغريب، بينما كانت أصابعه تتحرك ببطء نحو خنجر مخبأ في حزامه، "لكنني أملك كل شيء لأخسره، وهذا يجعلك ميتاً بالفعل."
تلاقت نظرات زيد وداليا مرة أخرى. كانت عيناه تطلب منها شيئاً، شيئاً أعمق من الثقة. كانت عيناه تقولان: *اعترفي لي الآن، دمي بدمك، وخطيئتي بخطيئتك.*
شعرت داليا بدمائها تغلي. كانت تعترف في قرارة نفسها أن الظلام الذي يحيط بهما هو المكان الوحيد الذي يمكنها فيه التنفس. التوتر بينهما لم يكن مجرد خوف، كان رغبةً عارمة في التدمير والولادة من جديد. اقتربت أكثر، حتى تداخلت ملابسهما، وضعت يدها المرتجفة على صدره، تشعر بقلبه الذي ينبض بإيقاعٍ منتظم، متناقض تماماً مع نبض قلبها المتسارع.
"أنت تعلم من أكون،" همست داليا لزيد، بصوتٍ لم يعد يكترث بوجود الغريب. "أنت تعرف ما فعلته في تلك الليلة، ومع ذلك، أنت هنا."
أغمض زيد عينيه للحظة، ثم فتحهما ليعكس تعبيراً لم ترَه من قبل؛ مزيجاً من الهوس والحماية. "أنا لا أهتم بما فعلتِ. أنا أهتم بأنكِ ملكي منذ اللحظة التي رأيتُ فيها دموعكِ تتحول إلى حقد. السر الذي تحملينه ليس عبئاً، بل هو الرابط الذي سيجعلنا لا نفترق أبداً."
ضحك الرجل الغريب، صوتٌ أجش يمزق سكون الليل. "يا له من مشهد رومانسي بائس! هل تظنان حقاً أن هناك مستقبلاً بعد كل ما دُفن؟ داليا، أخبريه... أخبريه من يكون صاحب الشحنة التي أرسلتِها للجحيم."
تصلبت ملامح داليا. هذه كانت اللحظة. السر الذي يهدد بهدم كل شيء. التفتت إلى زيد، وعيناها تلمعان ببريقٍ غريب، مزيج من الجنون والصدق. "إنه ليس مجرد سر، زيد. إنه خيانة."
في تلك اللحظة، سحب زيد خنجره بحركة خاطفة وسريعة كالبرق، لكنه لم يوجهه للغريب. بدلاً من ذلك، دفع داليا خلفه بجسده، متلقياً رصاصة صامتة في كتفه. سقطت قطرات من دمه على يد داليا التي كانت متمسكة بقميصه. شعرت بالحرارة، باللزوجة، بالصدمة.
"زيد!" صرخت، واندفع الغريب نحوهما، مستغلاً فرصة إصابته، لينقضّ عليهما كوحشٍ جريح.
تداخلت الأجساد في صراعٍ عنيف عند حافة المنحدر. كانت الركلات تتلاقى، واللكمات تمزق صمت الليل. كانت داليا تراقب كالمشدوهة، تدرك أن هذا القتال ليس مجرد صراعٍ على البقاء، بل هو مواجهة بين ماضيها الذي يطاردها وحاضرها الذي تحاول التمسك به.
رأت الغريب يرفع مسدسه مرة أخرى ليصوب نحو رأس زيد، بينما كان زيد يضغط بيده على جرح كتفه، وعيناه لا تزالان ثابتتين على داليا، يطلب منها التحرك. لم تفكر. التقطت حجراً صغيراً من الأرض، واندفعت بكل قوتها نحو الغريب، لتضرب يده التي تحمل المسدس، لكن المسدس سقط من يده، وانزلق ليقف عند حافة الهاوية تماماً، وتدحرج الغريب للخلف، معلقاً بقبضةٍ واحدة على حافة الجرف، بينما كان زيد يقف فوقه، يلهث بشدة، ينظر للأسفل بعينين لا ترحمان.
"هل تنهيه؟" سألت داليا، وهي تقف بجانب زيد، يدهما متشابكتان بقوة، دمائهما تمتزج فوق جرحه.
نظر زيد إليها، ثم إلى الغريب الذي كان يبتسم رغم موته المحقق، وقال بصوتٍ هادئ كالموت نفسه: "لقد حان الوقت لتعرفي الحقيقة الكاملة."
في تلك اللحظة، انهار جزء من حافة المنحدر تحت ثقل الغريب، وبدأ ينزلق نحو الهاوية المظلمة. وقبل أن يسقط تماماً، صرخ بصوتٍ جعل دماء داليا تتجمد في عروقها: "اسأليه يا داليا! اسأليه من الذي كان يدفع المال مقابل رأسكِ منذ البداية!"
اختفى الغريب في الظلام. ساد صمتٌ مطبق، لم يقطعه سوى صوت أنفاس زيد المتسارعة، وصوت داليا التي تجمدت في مكانها، تتردد كلمات الغريب في عقلها كالرعد. نظرت إلى زيد الذي لم يعد ينظر إليها كحاميها، بل كشخصٍ يخبئ وراء عينيه جحيماً آخر.
"هل هذا صحيح؟" سألت، وصوتها يرتجف.
لم يجب زيد. فقط اقترب منها، محاصراً إياها بين جسده وبين الفراغ، ووضع يده على وجهها بلمسةٍ حارقة. "سأخبركِ بكل شيء، داليا. لكن بشرط واحد..."