كانت رائحة البارود والتراب المبلل تختلط في رئتيّ داليا كأنها سمٌّ بطيء، بينما كانت أضواء المصابيح اليدوية للمقتحمين تمزق عتمة القبو كخناجر تبحث عن فريسة. في الزاوية، كان زيد يقف كصخرة صلبة في وجه العاصفة، ملامحه غارقة في ظلال قاسية لم تترك لعينيه سوى بريقٍ حديديٍ يوحي ببركان يغلي تحت جلد بارد.
"ابقِ خلفي، داليا. لا تنظري إلى وجوههم، انظري فقط إلى حيث أتحرك."
كان صوته همساً خشناً، يتردد صداه في القبو الحجري كأنه نذير شؤم. لم يكن مجرد أمر؛ كان تملكاً غريزياً، إعلاناً صامتاً بأن هذه المرأة، بكل أسرارها الملطخة بالدماء، أصبحت الآن جزءاً من عالمه المعتم. اقتربت هي منه، التصق كتفها بظهره العريض، وشعرت بحرارة جسده تتسرب عبر طبقات ملابسه، توقظ في أحشائها رغبة تتأرجح بين الخوف والنشوة. كانت تلك اللحظة التي تدرك فيها المرأة أنها على وشك السقوط من شاهق، ومع ذلك، لا تملك رغبة في التشبث بأي شيء سوى الشخص الذي دفعها.
اندفع المقتحمون، أحذية ثقيلة تدوس على حطام الخشب القديم. لمع ضوء كشاف في عيني زيد، لكنه لم يرمش. تحرك بسرعة مباغتة، كأن جسده آلة مصممة للقتل لا للرحمة. لكمة خاطفة أطاحت بالرجل الأول، بينما انتزع زيد سلاحاً من يد الآخر ببراعة جراح يقص جزءاً تالفاً. في تلك اللحظة، رأت داليا "زيد" الحقيقي؛ لم يكن العاشق المتردد الذي عرفته في الساعات الماضية، بل كان وحشاً مروضاً قرر أخيراً كسر قيوده.
"أخرجيهم من هنا!" صرخ زيد، وصوته يقطع ضجيج العراك.
لم تفكر داليا. ركضت نحو الباب الخلفي للقبو، الذي كان يفتح على غابة كثيفة تغلفها ضباب ليل شتوي لا يرحم. خلفها، كانت أصوات العراك، أنات الرجال، وتحطم الأثاث، تعزف مقطوعة من الفوضى. شعرت بيد زيد تمسك بمعصمها بقوة جبارة، تسحبها إلى الخارج إلى الفراغ المظلم.
انطلق الاثنان نحو الأشجار المتشابكة، وأقدامهم تغوص في الوحل. كان الهواء بارداً كالشفرات، يلسع بشرتهما، لكن حرارة الانجذاب بينهما كانت أقوى. توقفا خلف جذع شجرة بلوط ضخمة ليلتقطا أنفاسهما. كان زيد ينهج، صدره يعلو ويهبط بعنف، وعيناه - اللتان كانتا تشتعلان غضباً - استقرتا فجأة على شفتي داليا المرتجفتين.
هنا، في وسط الغابة الموحشة، حيث لا يراقبهم سوى القمر الشاحب، تلاشى كل شيء. تلاشت هوية المهاجمين، تلاشت الخطايا التي دفعت داليا للهروب، وتلاشت الحواجز. اقترب زيد منها، اخترقت رائحة عطره الخشبي الممزوج بدم الآخرين حواسها. وضع يده على وجهها، كانت أصابعه خشنة، لكن لمسته كانت رقيقة بشكل مؤلم.
"هل أنتِ خائفة؟" سأل، وصوته يمتزج بحفيف أوراق الشجر.
"أنا مرعوبة،" أجابت بصدق، وعيناها تغوصان في سواد عينيه. "لكن ليس منهم."
انحنى زيد، قلص المسافة حتى لم يعد هناك سوى أنفاسهما المشتركة. كان التوتر بينهما كهربائياً، مشحوناً بالخطر الذي يلاحقهما وبالسر المحرم الذي يربطهما. قبل أن تتلامس شفاههما، توقفت داليا، ونظرت إلى يده التي كانت ما تزال تقبض على المسدس المسروق.
"ماذا ستفعل الآن؟ نحن مطاردان، زيد. ومن عرف وجهك هناك لن يتركك تعيش."
ابتسم زيد ابتسامة جانبية، كانت خالية من أي طمأنينة. "سأحرق العالم لأجلك إذا تطلب الأمر، داليا. لكننا لن نعود أبداً. هل تفهمين؟ الماضي مات في هذا القبو."
في تلك اللحظة، دوّى صوت طلقة نارية في صمت الغابة، تلتها صرخة طائر منزعج طار في السماء. لم تكن الطلقة موجهة إليهما، لكنها كانت قريبة بما يكفي لتذكيرهما بأن الموت لا يزال يطارد خطواتهما.
سحبها زيد خلفه مجدداً، وغاصا في أعماق الغابة الأكثر ظلمة. كانت داليا تشعر بأن كل خطوة تأخذهما أبعد عن النور، وأقرب إلى حقيقة وجودهما: شخصان هارب من العدالة وامرأة هاربة من قدرها.
بعد مسافة، توقفا عند حافة منحدر صخري يطل على وادٍ غارق في الضباب. كان الطريق مسدوداً، وأصوات المطاردين بدأت تقترب عبر الأشجار، نباح كلاب الحراسة يمزق سكون الليل.
التفت زيد إليها، وبدت ملامحه في الضوء الخافت كأنها قناع من حجر. "داليا، اسمعيني جيداً. هناك خياران الآن؛ إما أن تسلمي نفسك لهم وتواجهي مصيرك، أو تقفزي معي إلى ذلك المجهول. لا يوجد طريق ثالث."
نظرت داليا إلى الأسفل، حيث الضباب يخفي قاع الوادي، ثم نظرت إلى عينيه اللتين تعكسان تصميماً لا يلين. لم يكن هناك وقت للتردد، ولم يكن هناك مكان للعودة.
أمسكت يده بقوة، وغرزت أظافرها في كفه، معلنة ولاءها الأعمى. "لن أتركك تواجه المجهول وحدك."
قبل أن يتمكن زيد من الرد، ومض ضوء كشاف قوي من بين الأشجار خلفهما مباشرة، متبوعاً بصوت مألوف، صوت جعل داليا تتجمد في مكانها. كان صوتاً لم تتوقع سماعه أبداً في هذه الغابة، صوتاً يخص الشخص الذي كان من المفترض أن يكون ميتاً منذ سنوات.
"داليا؟ هل ظننتِ حقاً أنكِ تستطيعين الهروب مني إلى أحضان هذا المعتوه؟"
التفتت داليا ببطء، وقلبها يتوقف في صدرها، لتجد شبح ماضيها يقف على بعد أمتار قليلة، مصوباً سلاحه نحو قلب زيد.