كان الهواء داخل الكوخ الحجري ثقيلاً، مشبعاً برائحة الخشب المتعفن ورطوبة الجبال التي تتسلل عبر الشقوق كأصابع شبحية. في الخارج، كانت العاصفة تزمجر، تمزق صمت الغابة بأصوات تشبه صراخ كائنات معذبة، بينما في الداخل، كان العالم قد تقلص ليصبح مجرد غرفة ضيقة يضيئها وهج خافت من مدفأة تحتضر.
داليا السعدي كانت تقف بالقرب من النافذة، تتأمل انعكاس وجهها الشاحب على الزجاج الأسود. عيناها، اللتان كانتا يوماً مرآة للبراءة، باتتا الآن غائرتين، تحملان ثقل أسئلة لا تجد لها جواباً. شعرت بوجوده قبل أن تسمع وقع خطواته. كان زيد الراشد يتحرك بصمت مفترس، كأنه جزء من الظلال التي تملأ زوايا المكان.
«لا تنظري للخارج،» قال زيد بصوته الأجش الذي اخترق سكون الغرفة كشفرة باردة. «الخارج لم يعد ملكنا.»
استدارت داليا، فاصطدمت نظراتها بعينيه. كانت عيناه داكنتين، بلون القهوة المرة والليل بلا نجوم، تلمعان ببريق غامض يجعل قلبها يخفق بوتيرة مضطربة. كان يقف على مسافة قريبة بما يكفي لتشعر بحرارة جسده، وبما يكفي أيضاً لتشعر بخطر دائم يغلف وجوده.
اقترب منها خطوة أخرى، متجاهلاً المسافة الآمنة. ارتدت داليا إلى الخلف حتى لامس ظهرها الجدار الحجري البارد. لم يمهلها فرصة للهرب؛ وضع يده على الجدار بجانب رأسها، محاصراً إياها في مساحة ضيقة لا تتسع إلا لتوترهما المتبادل.
«من أنت حقاً، يا زيد؟» همست، وصوتها يرتجف رغم محاولتها الحفاظ على ثباتها. «هذا المكان... هذه الجدران التي تحمل ذكريات لا أعرفها، والرموز التي رأيتها في أوراقك... كيف تتقاطع طرقنا بهذا القدر من القسوة؟»
مال زيد برأسه قليلاً، وشعرت بأنفاسه تداعب بشرة عنقها، مما أثار قشعريرة سرت في جسدها بالكامل. كانت هناك نبرة تملك في نظراته، شيء يتجاوز مجرد الحماية، شيء يميل إلى الهوس.
«الحقيقة ليست دائماً هدية، داليا،» أجاب، بينما بدأت أصابعه تتحرك ببطء لتلامس خصلة من شعرها المتمرد. «أحياناً تكون الحقيقة هي القيد الذي يمنعك من الطيران. لقد عشتِ حياة كذبتِ فيها على نفسك، والآن، القدر يعيد ترتيب الأوراق. أنا لست منقذك، ولست جلادك.. أنا فقط المرآة التي ستريكِ وجهك الحقيقي.»
تجمدت داليا. لم تكن خائفة من تهديده بقدر ما كانت مرعوبة من ذلك الانجذاب الجارف الذي يشدها إليه. رغم وعيها بأنه يخفي عنها الكثير، ورغم أن كل غريزة فيها تصرخ بضرورة الفرار، إلا أن جاذبيته كانت كقوة جاذبية ثقب أسود، تبتلع إرادتها.
«أنت تستمتع بهذا، أليس كذلك؟» سألت، محاولة استجماع شتات قوتها. «تستمتع برؤيتي ممزقة بين الخوف والشك.»
ارتسمت على شفتي زيد ابتسامة جانبية، ساخرة وقاسية، لكنها حملت في طياتها ومضة من اشتياق غامض. «لو كنت أستمتع، لتركتك ترحلين منذ زمن بعيد. لكننا مقيدان الآن، بخيط رفيع من الدماء والأسرار التي لا يفهمها غيرنا.»
فجأة، تغيرت حدقتا عينيه، وتصلبت ملامحه. أبعد يده عن الجدار بسرعة، وانسحب خطوات إلى الوراء، مستلاً خنجراً صغيراً من حزامه بحركة احترافية صامتة. لقد سمع شيئاً لم تسمعه داليا.
«انبطحي،» أمر بصوت منخفض وحاد.
في اللحظة التي ارتمت فيها داليا على الأرض، تحطم الزجاج الذي كانت تقف أمامه إلى شظايا متناثرة. صوت رصاصة واحدة اخترق جدار الكوخ، لتستقر في المدفأة وتثير تصاعد الشرارات كالألعاب النارية في قلب الظلام.
انطفأت الأنوار تماماً. أصبح الغرفة غارقة في عتمة مطلقة لا يكسرها سوى وميض البرق الخارجي. أحست داليا بيده القوية تقبض على معصمها، تجذبها بقوة نحو قبو مخفي تحت الألواح الخشبية المتهالكة في زاوية الغرفة.
«إذا فتحوا الباب، لا تنطقي بكلمة،» همس في أذنها، وشفتاه لامستا شحمة أذنها لثانية واحدة، مما أرسل موجة من الأدرينالين والارتباك في عروقها.
بينما كان يسحبها إلى الأسفل، تلاقت نظراتهما في الظلام الحالك. للحظة واحدة، تلاشت الحرب والمطاردة والماضي المجهول، ولم يبقَ سوى دقات قلبيهما المتسارعة التي بدت وكأنها إيقاع واحد. شعر زيد للحظة برغبة جامحة في تقبيلها، في إيقاف الزمن قبل أن تداهمهما الوحوش البشرية التي تحيط بالكوخ.
أغلق غطاء القبو الخشبي فوقهما، لتغلفهما ظلمة مطبقة ورائحة التراب. من فوقهما، سمعا وقع أقدام ثقيلة فوق الخشب القديم. كانت تلك الأقدام تقترب من مكان اختبائهما، ورأى زيد من خلال شق صغير في الخشب خيالاً لرجل يحمل سلاحاً كاتماً للصوت، يبحث عن هدف لا يعلم أنه يقف تحت قدميه مباشرة.
تجمعت أنفاس داليا في صدرها. كان زيد يضغط على يدها بقوة، كأنه يمنعها من الصراخ. شعر زيد بقطرات عرق باردة تتصبب على جبهته. كان يعلم أن الشخص الذي بالخارج ليس مجرد مرتزق، بل كان يعرفه جيداً، ويعرف أن وجوده يعني أن كل شيء قد انتهى.
وفجأة، توقفت الأقدام فوق غطاء القبو تماماً. ساد صمت مطبق، وكأن العالم بأكمله قد توقف عن التنفس. ثم، وببطء شديد، بدأ الخشب يئن تحت ثقل شخص ما يضغط بكل قوته ليفتحه.
لمس زيد خده بخدها، وهمس بصوت لا يكاد يُسمع، يحمل نبرة اعتراف أخيرة: «إذا متنا الليلة، أريدك أن تعرفي... أنني لم أكن أبحث عن الحقيقة، كنت أبحث عنكِ فقط.»
قبل أن تتمكن داليا من الرد، انطلق صوت تحطم الغطاء الخشبي فوق رؤوسهما، وانكشف مكانهما تماماً أمام ضوء كشاف عمي أبصارهم.