كان الهواء في باطن الأرض ثقيلاً، مشبعاً برائحة الرطوبة العتيقة وصوت تقطر الماء الذي يتردد كدقات قلب مريض في ممرٍ لا نهاية له. لم يكن نفقاً عادياً، بل كان جرحاً غائراً في جسد المدينة، مكاناً نسيته الشمس ومحته الخرائط.
توقفت داليا لاهثة، تدعم ظهرها بكتلة خرسانية باردة ومحطمة. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، والدم الذي يسيل من جرح سطحي على جبينها يمتزج بالعرق، ليخلق خطوطاً قانية على وجهها الشاحب. ظلام النفق كان دامساً، لا يكسره سوى خيط ضوئي رفيع يتسلل من فتحة علوية بعيدة، يسلط الضوء على ذرات الغبار التي ترقص كأشباح في الفراغ.
أمامها، كان زيد الراشد يقف كتمثال من رخام أسود. لم يبدُ عليه الإرهاق رغم الجري الطويل والقفزة المميتة التي قاما بها. كان جسده، الممشوق والمعقد كأحجية هندسية، يتناغم مع ظلال المكان. عيناه—اللتان تشبهان قطعتين من العقيق البارد—كانتا تراقب كل حركة منها، ليس كحليف، بل كصياد يدرس فريسة استعصت عليه قليلاً.
قالت داليا بصوت مرتعش لكنه مشبع بالتحدي: "من أنت حقاً يا زيد؟ القتلة لا يملكون مفاتيح الأنفاق المهجورة، ولا يملكون تلك النظرة التي تعرف بالضبط أي ألم تلمس في داخلي."
خطا زيد خطوة واحدة نحوها. كانت حركته مفترسة، هادئة بشكل يثير الرعب. توقف حين أصبح الفراغ بينهما يضيق لدرجة الشعور بحرارة جسديهما المتبادلة. كان بإمكانها شم رائحة الأدرينالين والتبغ الباهت تفوح من سترته الجلدية الممزقة. انحنى قليلاً، حتى أصبحت أنفاسه تداعب خصلات شعرها المبتلة، وهمس بنبرة عميقة، خشنة كالحرير الممزق: "أنا لست هنا لأقتلك يا داليا، لو أردت ذلك لما كنتِ تتنفسين الآن. أنا هنا لأجبركِ على مواجهة ما حاولتِ دفنه تحت أطنان من الكذب والنسيان."
تصلبت داليا. اقتربت أكثر منه، لا هرباً بل مواجهة، حتى كادت جبهتها تلامس صدره. "ماضيّ مات في الليلة التي احترق فيها ذلك المنزل. لا أحد له الحق في نبش رمادي."
ابتسم زيد، لم تكن ابتسامة سعادة، بل كانت انحناءة قاسية لشفاهٍ لم تعرف الرحمة. مد يده، وبإصبعين خشنين، مسح ببطء قطرة دم عن خدها. كان اللمسة مفاجئة، كهربائية، أثارت في جسدها قشعريرة لم تستطع السيطرة عليها. تجمدت أنفاسها، وشعرت بجاذبية غريبة، مظلمة، تجذبها نحوه كالمغناطيس، رغم علمها بأن الاقتراب منه هو انتحار بطيء.
قال بنبرة خافتة تكاد تذوب في الظلام: "الرماد لا يموت، يا داليا. هو فقط ينتظر نسمة هواء ليعود ويحرق كل شيء. أنتِ تخافين مني لأنكِ تعرفين في أعماقكِ أنني الوحيد الذي يرى النار التي تلتهمكِ من الداخل."
في تلك اللحظة، خفت الضوء الخافت تماماً. ساد صمت مطبق، لم يقطعه سوى أنفاسهما المتسارعة. كان التوتر بينهما كثيفاً، مشحوناً برغبة غامضة تتصارع مع الخوف. كانت داليا تشعر بأن زيد ليس مجرد شخص يطاردها، بل هو انعكاس لشيء مكسور بداخلها. شعرت بيده الأخرى تقبض على خصرها بقوة، ليس ليدفعها، بل ليثبتها في مكانها. كانت قوة قبضته توحي بالتملك، بالحماية، وبوعيد مبطن.
"لماذا الآن؟" همست، وعيناها لا تفارقان عينيه اللتين تعكسان بريقاً غريباً في الظلام.
"لأن الوقت نفد،" أجاب زيد، ونبرته فقدت القليل من قسوتها لتحل محلها نبرة أكثر حميمية وخطورة. "القوات التي تطاردنا ليست هي الخطر الأكبر. الخطر الحقيقي هو ما سيظهر بمجرد أن نفتح الباب التالي."
فجأة، دوى صوت انفجار بعيد في أرجاء النفق، أعقبه صوت ارتطام معدني ثقيل. الضوء المتسلل من السقف انقطع كلياً، ليغرق النفق في عتمة مطلقة. شعر زيد بذراعها تلتف حوله غريزياً، باحثة عن الأمان في الرجل الذي يفترض أن يكون عدوها.
شعر زيد بارتعاشها، فضيق قبضته حولها أكثر، وسحبها نحوه حتى التصق جسدها به تماماً. في ذلك القرب القاتل، سمع دقات قلبها المتسارعة، وشعر بجسدها الذي يرتجف—ليس من البرد، بل من الانجذاب الغامض الذي بدأ يتسلل إلى عروقها.
"اسمعيني جيداً،" همس في أذنها، وشعرت بدفء أنفاسه يغلف عنقها، مما جعل دماءها تغلي في عروقها. "من هذه اللحظة، لا تتركي يدي. مهما سمعتِ، مهما رأيتِ. إذا انفصلنا، فقد انتهى كل شيء. هل تفهمين؟"
لم تجب داليا، بل زادت من ضغط أصابعها على معطفه. كان الظلام يحجب رؤيتها، لكنها كانت تشعر بوجوده بكل حواسها. كانت تلك اللحظة هي نقطة اللاعودة؛ حيث تداخلت خيوط حياتها مع حياته، وأصبحا أسيرين في دوامة من التساؤلات التي لا إجابات لها.
بينما كانا يقفان هناك، ملتصقين في قلب الظلام، بدأ صوت خطوات ثقيلة ومعدنية تقترب من مكان وجودهما. لم تكن خطوات بشرية عادية، بل كانت خطوات ميكانيكية دقيقة، توحي بأن المطاردين قد وجدوا المسار.
توقف زيد عن الكلام، وشعرت داليا به يرفع يده الأخرى ليتحسس سلاحاً مخبأً تحت ملابسه. في تلك الثانية، تلاشت الرومانسية المظلمة لتحل محلها غريزة البقاء البدائية.
"هل أنتِ مستعدة؟" سألها، وصوته يقطع صمت النفق كشفرة حادة.
قبل أن تنطق بكلمة، انبعث ضوء أحمر خافت من نهاية الممر، كاشفاً عن ظلال عملاقة تتحرك نحوهما. وفي تلك اللحظة، انفتح جزء من جدار النفق فجأة، ليس بفعل زيد، بل بفعل آلية مخفية، ليظهر ممر أكثر عمقاً وأشد ظلاماً، تفوح منه رائحة قديمة جداً، وكأنها رائحة أسرار الأرض التي لم تُكشف منذ قرون.
سحبها زيد بقوة نحو الممر الجديد، لكن قبل أن تطأ قدماها العتبة، توقفت فجأة، وقد تجمّد الدم في عروقها. على الجدار المقابل، كان هناك نقش محفور بالحجر، نقشٌ لم تكن لتنساه أبداً؛ إنه الرمز ذاته الذي كان محفوراً على القلادة التي فقدتها في ليلة احتراق منزلها.
نظرت إلى زيد، الذي كان يراقبها بانتظار رد فعلها، وأدركت في تلك اللحظة أن كل ما أخبرها به كان مجرد مقدمة لشيء أكبر وأكثر رعباً. قبل أن تتمكن من النطق، ارتطم جسدها بجدار الممر بسبب دفع زيد المفاجئ لها لتختبئ خلف كتلة حجرية، بينما كانت الأصوات المعدنية تقف تماماً أمام مدخل النفق الذي خرجوا منه للتو.
توقف كل شيء. أنفاسهما، نبضات قلبيهما، وحتى العالم الخارجي. وفجأة، سُمع صوت نقرة ميكانيكية مألوفة، صوت سلاح يُلقّم، وصوت رجل ينطق باسمها من خلف الجدار.
"داليا السعدي.. نعلم أنكِ هنا. والراشد لا يمكنه حمايتكِ من الحقيقة."