كانت السماء فوق قلعة "الظلال المحرمة" تتمزق، ليس بالبرق، بل بشقوق سوداء تنزف منها سديمٌ أرجواني خانق. تحت أقدام نور، كانت الأرض تهتز بعنف، كأن القلعة نفسها ترفض الوجود الذي استوطن جدرانها. أمامها، وقف عمر، أو ما كان يُفترض أن يكون عمر.
لم يعد جسده ذاك الهيكل البشري المألوف، فقد كانت العروق السوداء تبرز تحت بشرته البرونزية كخارطة لغابة مسمومة، وعيناه... تلك العينان اللتان كانتا يوماً تعكسان دفء شمس الصحراء، كانتا الآن بئرين من سواد مطلق، لا قاع لهما، ولا رحمة فيهما.
"نور..."
جاء صوته أجوف، وكأنه يخرج من أعماق بئر سحيقة، مشوباً بحفيف مئات الأرواح المذعورة. تقدم خطوة، فتهشمت الحجارة تحت حذائه العسكري، وتناثر الغبار ليختلط بعبير المسك الذي كان يرافق حضوره دائماً.
"لا تقتربي،" حذرها صوتٌ آخر، صوتٌ لم يكن صوته، بل صدى لكيانٍ قديم يسكن قفصه الصدري. "إنكِ تطلبين لمس الرماد، يا فراشتي."
شعرُ نور يتطاير بفعل الرياح السامة التي بدأت تنهش القاعة. كانت يداها ترتجفان، ليس من الخوف، بل من الغضب العارم الذي يعتصر قلبها. لقد قطعت القفار، واقتحمت حصون العتمة، ليس لكي تشهد انطفاء آخر رجل في هذا العالم.
"أنت لست هو،" صرخت نور، وصوتها يتردد بين الجدران المتصدعة. "أنت طفيلي يقتات على ذاكرته. أخرج منه!"
قهقه الكيان، وكانت الضحكة تتشكل في رقبته كأنها خناجر صغيرة. "عمر؟ عمر لم يعد موجوداً. إنه مجرد قشرة أهديتها لنفسي. ألم تشعري به؟ حين كانت أصابعه تلتف حول خصركِ في الليالي الماضية، كنتُ أنا من يقرر قوة الضغطة، أنا من كان يستمتع بارتجاف نبضك تحت لمستي."
تجمدت الدماء في عروقها. تلك اللحظات من الحميمية، تلك النظرات التي ظنت أنها وعودٌ أبدية، كانت خداعاً؟ كان الوحش يتلذذ بقربها بينما هي تظن أنها تروض القائد الشرس؟
اندفعت نور نحوه، متجاهلة الجدران التي بدأت تتساقط كأنها أوراق شريفة خريفية. استلت خنجرها، لا لتطعنه، بل لتجرح راحة يدها. كانت تعويذة الدم، التضحية الأخيرة التي حذرتها منها الكتب القديمة. دماءٌ طاهرة لتوقظ روحاً مدفونة.
"سأعيدك، ولو اضطررت لاقتلاع هذا الظلام من جذورك!"
أمسكت بياقة قميصه الممزق، وجذبت رأسه نحوها. كان جلده بارداً كالثلج، وعيناه تمسحان ملامحها ببرودٍ مفترس. استغلت اللحظة، ضغطت يدها النازفة على صدره، حيث يرتفع قلبٌ يصارع الموت.
"عمر!" صرخت باسمه، وضخت كل حبها، كل ذكرياتها، كل ألمها في ذلك الجرح المفتوح.
اهتز كيان عمر. تشنج جسده بعنف، وانبعث ضوءٌ أحمر داكن من عينيه. أطبق بيديه الكبيرتين على رقبتها، ليس ليخنقها، بل كأنما يحاول التشبث بحبل نجاة وسط غرقٍ أبدي. اقترب من أذنها، وشمت رائحة شعرها بعمقٍ ألمي.
"نور..." همس، وهذه المرة، كان صوته. كان مكسوراً، مرتجفاً، ومليئاً بالألم البشري الصرف. "اقتليه... اقتليني قبل أن أقتلك."
انفجرت القاعة. سقف القلعة انهار أخيراً، لتنكشف سماءٌ حمراء دموية. كان الشد والجذب بين روح عمر والكيان يمزق الغرفة طاقةً خاماً. سقطت نور على ركبتيها وهي لا تزال متمسكة به، بينما بدأ الكيان يصارع للسيطرة على جسده مرة أخرى، محولاً ملامحه من وجه العاشق الوديع إلى ملامح الوحش الكاسر في تتابعٍ بصري مرعب.
"لا تتركني!" استنجدت نور، بينما بدأت الأرض تحت أقدامهما تتهاوى إلى هاوية لا قرار لها.
"ليس لدي خيار،" قال عمر، وهو يرفع يده ببطء نحو وجهها، ممسحاً دمعة سالت على خدها بإبهامٍ كان يرتجف. "لقد اخترقني تماماً. كل لحظة أقضيها معك الآن هي سمٌ يجري في عروقك."
في تلك اللحظة، انهار الجدار الفاصل بين الزنزانة والهاوية الخارجية. صار الفضاء مفتوحاً أمام أعينهما. الكيان داخل عمر أطلق صرخة هزت أركان القلعة، محاولاً استعادة السيطرة الكاملة على عضلاته. انحنى عمر فجأة، ودفن رأسه في عنقها، مستنشقاً أنفاسها الأخيرة، قبل أن يدفعها بقوة نحو حافة الخطر.
"اركضي، نور! لا تنظري إلى الوراء!"
لكن نور لم تتحرك. وقفت وسط الحطام، تنظر إلى عمر وهو يتصارع مع ظله، وهو ينهار على ركبتيه بينما بدأ جلده يتشقق كالفخار المحروق. كان الدم يسيل من عينيه، من أذنيه، من كل مسام جسده، وهو يحاول حمايتها من نفسه.
"لن أتركك للظلام،" قالت بصوتٍ كالسيف، وهي تمسك بيده التي كانت تتحول ببطء إلى مخالب سوداء.
بدأ الحجر الذي يقفان عليه بالانفصال عن الأرضية الرئيسية. كان الفراغ تحتهما ينتظر بشراهة. كان عمر ينظر إليها بعينين تعودان إلى اللون البشري، لكنهما كانتا تحملان انكساراً لا يداويه الزمن.
"نور..." همس عمر، بينما بدأ الكيان يغلف جسده بالكامل، محولاً إياه إلى مسخٍ من الظلال المشتعلة. "إذا سقطتُ الآن... فستسقطين معي. هل أنتِ مستعدة لهذا الثمن؟"
لم تجب. بدلاً من ذلك، سحبت خنجرها ووجهته نحو قلبها، نحو الرابط الذي يربط حياتهما معاً، قائلة: "إذا كنت سأفقدك، فلن يرى العالم بقاءنا منفصلين."
في تلك اللحظة، توقفت القلعة عن الانهيار. ساد صمتٌ مرعب، صمتُ ما قبل الكارثة النهائية. ثم، فجأة، اندلعت نيرانٌ سوداء من جسد عمر، وارتفع جسده عن الأرض، وعيناه توهجتا بضوءٍ لم يره بشر من قبل، وكأنه استدعى قوة التنين الأخيرة التي كان من المفترض أن يروضها... لكنها هي من روضته الآن.
رفع عمر يده، وبحركة واحدة، أطبق على خناجر الهواء، وانطلق تجاهها كالبرق.