كان الهواء داخل القاعة الكبرى يضجُّ بصوت احتضار المكان. الحجارة الضخمة، التي صمدت لقرون تحت وطأة الزمن، بدأت تتشقق تحت ضغط الهالة القاتلة التي تنبعث من عُمر. لم يكن انفجاراً عادياً؛ كان زلزالاً عاطفياً وكونياً يمزق نسيج الواقع. في المركز، كان عُمر جاثياً على ركبتيه، يده تخمش الأرضية الرخامية حتى تفجرت أصابعه دماً، بينما كان جلده يضيء بعروقٍ متوهجة بلون الجمر، كأن بركاناً صغيراً يحاول شق طريقه عبر مسامه.
نور الصحراء وقفت على بعد خطوات منه، شعرها يتطاير بفعل الرياح التي ولّدتها طاقته الجامحة. كانت تشعر بكل ذرة من الألم الذي يعتصره، وبكل ذرة من القوة المظلمة التي تحاول محو إنسانيته. لم تكن خائفة؛ بل كانت تشعر بوجعٍ في قلبها يفوق رعب الموت.
"عُمر!" صرخت، وصوتها ضاع في أزيز الحجارة المتساقطة.
رفع عُمر رأسه ببطء. لم تعد عيناه ذلك اللون العسلي المألوف، بل تحولتا إلى بحرين من اللهب السائل. نظر إليها، وفي تلك النظرة تلاقت الوحشية والضعف في مزيجٍ مؤلم.
"اهربي، نور.." زمجر بصوتٍ بدا وكأنه صادر من أعماق الأرض. "القوة.. إنها لا تريد السيطرة، إنها تريد الفناء. إنها لا تفرق بين العدو والمحب."
خطت نور خطوة أخرى نحو النار. في تلك اللحظة، لم تعد تبالي بمصير المملكة أو بنهاية السلالات. كل ما كانت تراه هو الرجل الذي أحبته، الرجل الذي كان يروض الوحوش، والآن يروض شيطان روحه. مدت يدها، رغم أن حرارة جسده كانت تكفي لصهر المعدن.
"لا يوجد هروب يا عُمر،" قالت بلهجةٍ لا تعرف التردد. "لقد ربطتُ خيوطي بخيوطك. إذا كان قدرك الانهيار، فسننهار معاً، وإذا كان قدرك النهوض من تحت الأنقاض، فستجدني في انتظارك هناك."
انفجر سقف القاعة. كتلة صخرية ضخمة هوت كنيزك، لكنها تفتتت إلى غبار قبل أن تلمس الأرض، محولةً بفعل حاجز الطاقة الذي أحاط بهما. عُمر نهض. لم يعد بشراً بالكامل. تقوس ظهره كأنه يستعد للطيران، وخرجت منه زئيرٌ مرعب، صرخة بدائية لـ "مروّض التنانين" الأخير الذي استُنزفت قواه حتى الجنون.
اقتربت نور، متجاهلة الجروح التي خلفتها الشظايا المتطايرة على ذراعيها. وضعت كفيها على وجهه، الذي كان يحترق بوهج القوة. شعرت بجسده يرتجف بعنف، وكأن روحه تحاول الهروب من سجنه العضوي.
"انظر إليّ،" همست، وأنفاسهما تمتزج برائحة الكبريت والدم. "أنا لست أعداءك. أنا الملاذ الذي كنت تبحث عنه في وسط العاصفة."
توقف اهتزاز عُمر للحظة. تلك اللحظة كانت كالهدوء الذي يسبق الإعصار المدمر. نظر إلى عينيها، وبدأت ملامحه تتخذ طابعها الإنساني ببطء شديد، وكأنها مرآة تعكس له ما تبقى من صورته. لكن في تلك اللحظة بالذات، انفتح صدعٌ في الأرض تحت أقدامهما، ليفصل بينهما جرفٌ عميق تفوح منه نيران الجحيم المكتومة.
"نور!" صرخ عُمر، وقد استعاد وعيه للحظة ليدرك هول ما يحيط بهما.
المكان كله كان يلفظ أنفاسه الأخيرة. الأعمدة العملاقة هوت، والضوء الوحيد المتبقي كان ينبعث من جسد عُمر. كانت نور تقف على حافة الجرف، بينما كان هو يُدفع بفعل طاقةٍ لا مرئية إلى الجانب الآخر.
"تذكري عهدي!" صاحت نور، وهي ترى الشق يزداد اتساعاً. "أنت لست الوحش، أنت المروّض!"
في تلك اللحظة، ظهرت حقيقة السر الذي كان يُخفيها عُمر في قلبه. صرخة اعترافٍ مزقت حنجرته قبل أن يطبق عليه الحطام. "أنا لم أكن أروّض التنانين يا نور.. كنت أُطعمهم روحي!"
تجمدت الدماء في عروقها. الكلمة لم تكن مجرد سر، بل كانت نذير فناء. إذا كان قد أطعم روحه للتنين، فما الذي يقف أمامها الآن؟ هل هو الإنسان الذي عشقته، أم الكيان الذي ورث كل غضب التنانين المنقرضة؟
فجأة، غاصت الأرض تحت قدمي نور. سقطت في الظلام الدامس الذي تلا التقاء الجرفين، بينما لم يعد عُمر يسيطر على انفجاره؛ فقد تحولت طاقته إلى غيمة سوداء ابتلعت المكان بالكامل. لم تعد ترى شيئاً، سوى زوج من العيون الذهبية المتوهجة التي بدأت تقترب منها وسط الظلمة، عيون لا تنتمي لعُمر الذي تعرفه، بل لشيءٍ أقدم، شيءٍ لا يرحم.
مدت يدها في الفراغ، تبحث عن دفء يدي عُمر، لكنها لم تلمس سوى قشور باردة، خشنة، لا تشبه جلد الإنسان في شيء.
"عُمر؟" همست بصوتٍ يملؤه الرعب واليقين.
صدر صوت من الظلمة، صوتٌ مركب، يشبه صليل السيوف وتكسر الجبال: "عُمر لم يعد هنا.. لقد انتهى زمن الرجال."
قبل أن تتمكن من التنفس، شعرت بضغطة قوية حول خصرها، وسحبتها القوة المجهولة نحو الأعماق، بينما بدأ سقف القاعة الضخم يطبق على العالم فوقهما، مغلقاً بوابات الخلاص للأبد.