كان الهواء داخل زنزانة الظلال ثقيلاً، مشبعاً برائحة الأوزون والرماد، كأن المكان نفسه يتنفس أنفاساً مسمومة. قيدت السلاسل السحرية معصمي نور، تسري فيها نبضات باردة تنهش حرارة جسدها، لكن الصقيع الذي كانت تشعر به لم يكن مقارنة بالبرودة التي انبعثت من عيني عمر.
وقف عمر على بعد خطوات منها، يداه تقبضان على مقبض سيفه وكأنهما تحاولان خنق شيء ما ينمو في داخله. الضوء الشاحب المنبعث من جدران السجن كان يحدد ملامحه القاسية، عروق عنقه بارزة، وعيناه... تلك العينان اللتان كانتا يوماً بلون العسل، بدأت تكتسي بضباب أسود لا يهدأ.
"لا تنظري إليّ هكذا،" همس عمر، وصوته خرج كأنه حفيف أفاعٍ، ممتزجاً بصدى غريب لم يكن صوته الحقيقي. "كلما اقتربتِ، شعرتُ بجوع الكيان الذي يسكنني يزداد شراسة. إنه يريدكِ.. لا ليحميَكِ، بل ليلتهمَ كل ذرة ضياء في روحكِ."
تقدمت نور خطوة، غير عابئة بصرير السلاسل التي جرحت جلدها. الألم كان تذكيراً حياً بأنها ما تزال على قيد الحياة، بينما هو كان يبتعد في متاهات الظلمة. "أنت لست هذا الكيان يا عمر. أنا أرى الإنسان الذي يحاول التمسك بالبقية الباقية من نوره. لا تدعه يهزمك، ليس الآن."
انقض عمر نحوها بسرعة خاطفة، محاصراً إياها بين جسده الصلب والجدار البارد. أنفاسه التي تلاحقت على وجهها كانت تحمل دفئاً متناقضاً مع طبيعته المظلمة. وضع يده الكبيرة على الجدار بجوار رأسها، ومال ليقترب من أذنها. كان التوتر بينهما كخيط مشدود إلى درجة الانفجار، انجذاب مغناطيسي يتجاهل المنطق، رغبة جامحة في التلاحم بينما الموت يتربص بهما من كل جانب.
"أنتِ لا تفهمين،" زفر عمر بحرقة، بينما لامست أنفاسه بشرتها، مما أرسل قشعريرة عنيفة في جسدها. "أنا أقاتل حرباً داخل جلدي. في كل مرة تلمسينني فيها، أشعر أن الجدار الذي بنيته حول قلبي يتصدع. أنتِ خطرة عليّ يا نور، أكثر من أي تنين واجهتُه، أكثر من أي لعنة حلّت بهذا العالم."
لم تتراجع نور، بل رفعت يدها - رغم السلاسل - لتلمس وجهه. ارتجفت أصابعها فوق خط فكه الصلب. "إذاً فلنحترق معاً. أفضل أن أفنى في نارك على أن أعيش في عالم لا وجود لك فيه."
تصلب جسد عمر، وغلفت عيناه بريقٌ من الألم والانكسار. انحنى ليطبع قبلة رقيقة، تكاد لا تلامس بشرتها، على زاوية فمها، لكنها كانت محملة بكل الكبت والاشتياق الذي أخفياه. في تلك اللحظة، توقف الزمن. كانت تلك اللحظة هي الهدوء الذي يسبق العاصفة، حيث تلاشت حدود الزمان والمكان، ولم يبقَ سوى نبض قلبينا المتسارع وصراع الإرادة ضد الغريزة.
فجأة، اهتزت الجدران. صرخات مكتومة انطلقت من أعماق الأرض، وبدأت السلاسل التي تقيد نور تتوهج بلون أرجواني مسموم. تراجع عمر إلى الوراء وكأن تياراً كهربائياً صعقه، ممسكاً برأسه وهو يطلق زفيراً مكتوماً من الألم.
"إنه قادم،" قال بصوت متحشرج، وعيناه تتحولان بالكامل إلى السواد. "الكيان.. إنه يطالب بضريبته. ارحلي يا نور.. اهربي قبل أن أفقد السيطرة تماماً وأمزق كل ما تلمسه يداي."
"لن أتركك!" صاحت نور، وهي تحاول جذب السلاسل بكل قوتها.
لكن الأرض انشقت تحت أقدام عمر، وظهرت ظلال كثيفة تتشكل كأذرع أخطبوطية، تلتف حول جسده وتشده إلى الأسفل. حاول عمر المقاومة، رفع سيفه، لكن السيف تحطم في يده وتحول إلى غبار أسود. نظر إليها نظرة أخيرة، نظرة مليئة بالوداع والعشق الأبدي، قبل أن تغمره الظلال.
في تلك اللحظة، دويّ انفجار هائل هزّ الزنزانة، وتحطمت السلاسل من حولها، ليس بفعل قوتها، بل بفعل قوة أكبر اقتحمت المكان. انهار السقف جزئياً، ومن خلال الغبار، رأت نور ظلاً ضخماً يرتفع وسط الغرفة. لم يكن عمر، بل كان شيئاً مشوهاً، كياناً يملك عينين تشتعلان بلون أرجواني مرعب، ووجهاً يحمل بقايا ملامح عمر في قناع من الألم الأبدي.
تقدم الكيان نحوها، بينما تجمدت هي في مكانها، تدرك أن الرجل الذي أحبته قد غاب خلف هذا القناع الوحشي. رفع الكيان يده، وتجمد الهواء حول رقبتها، بينما صدى صوت عمر الخافت تردد في عقلها: "اقتليه.. قبل أن يفعل هو ذلك."