كان المطر يقرع نوافذ قصر العمري كأصابع خائفة تبحث عن مخرج، بينما كانت الغرفة الغارقة في شبه عتمة لا يقطعها سوى ضوء خافت ينبعث من مدفأة حجرية قديمة. في الزاوية، كان سلطان العمري يقف، ظهره للغرفة، يراقب الانعكاسات الراقصة للظلال على الجدران. كانت بدلته الداكنة تفصل ملامحه القاسية عن ظلام المكان، لتبدو وكأنه جزء لا يتجزأ من هذا القصر الموحش.
نور الهاشمي كانت تجلس على طرف الأريكة المخملية، أنفاسها متقطعة رغم محاولاتها المستميتة للحفاظ على هدوئها. كان الهواء في الغرفة ثقيلاً، مشبعاً برائحة الخشب المحترق وعطر سلطان الحاد الذي يشبه رائحة العواصف قبل هطولها. كل حركاته كانت محسوبة بدقة، وكل نظرة يلقيها تجاهها كانت تشعرها بأنها تحت مجهر رجل لا يغفر، ولا ينسى.
"أنتِ ترتجفين يا نور،" قال سلطان بصوت أجش، عميق، ترددت أصداؤه في أرجاء القاعة الفسيحة. لم يلتفت نحوها، لكن نبرة صوته كانت تحمل ثقلاً جعل جسدها يتصلب.
"إنه البرد فقط،" ردت محاولةً إخفاء نبرة الارتباك في صوتها. لكن سلطان استدار ببطء، وخطواته على الأرضية الخشبية بدت كدقات ساعة الموت. اقترب منها حتى أصبح يطغى على مساحتها الشخصية، يغمرها بظله. انحنى قليلاً، واضعةً يديه على مسند الأريكة ليحاصرها بين ذراعيه. كانت عيناه، الغارقتان في سواد لا قاع له، تتفحصان ملامحها بتركيز مرعب، وكأنه يقرأ شيفرة لا يعرفها سواهما.
"البرد؟" همس ساخراً، بينما اقترب أكثر حتى شعرت بحرارة أنفاسه على بشرتها. "أنتِ تكذبين. الخوف لا علاقة له بدرجة الحرارة. أنتِ خائفة لأنكِ تدركين أن هذا القصر لم يعد مكاناً آمناً، ولأنكِ تعرفين أن وجودكِ هنا، في هذا التحالف الهش، هو رقصة على حافة الهاوية."
نظرت نور إلى عينيه مباشرة، متحدية الرغبة في التراجع. كان هناك شيء ما في هذا القرب يثير في داخلها صراعاً بين الرغبة في الفرار والانجذاب القهري لهذا الغموض الذي يلفه. كانت ملامحه حادة كشفرة، وشفتيه اللتان ارتسمت عليهما ابتسامة غامضة كانتا تثيران فيها شعوراً بالخطر الممزوج بالفتنة. "نحن هنا معاً، سلطان. إذا سقط القصر، فسوف نسقط كلانا."
مال سلطان برأسه قليلاً، ولمعت في عينيه شرارة غامضة. "ربما. لكنني لا أسقط وحدي، نور. وإذا كان علينا مواجهة هذا الخطر، فعليكِ أن تتعلمي كيف تتنفسين تحت الماء."
مد يده ببطء، وبأطراف أصابعه، مررها على طول خط فكها بحركة خفيفة كجناح فراشة، لكنها كانت محملة بضغط كهربائي جعل جسدها ينتفض. لم يكن لمسة حنان، بل كانت امتلاكاً، فرضاً للسيادة. كان التوتر بينهما كحبل مشدود حتى الانفجار، انجذاب مغناطيسي يتجاهل المنطق.
فجأة، انطفأت جميع الشموع في الغرفة في وقت واحد، وكأن ريحاً غير مرئية قد اجتاحت المكان. ساد صمت مطبق، لم يكسره سوى صوت اصطكاك معدني جاء من الممر الخارجي.
تجمد سلطان في مكانه، تحولت نظراته في لحظة من الغواية إلى حذر مفترس. سحب نور خلفه بحركة خاطفة وسريعة، ووضع يده على فمها ليمنع أي صوت من الخروج. شعرت نور بجسده الصلب يلتصق بظهرها، وشعرت بقلبه ينبض بقوة، نبضات متسارعة لا تتوافق مع هدوئه الظاهري.
"لا تتحركي،" همس في أذنها بصوت خافت جداً، لدرجة أن صوت المطر في الخارج كان يبدو أعلى من كلماته.
في الظلام الحالك، سمعا صوت خطوات ثقيلة ومترددة تقترب من باب الغرفة. لم تكن خطوات بشر عاديين؛ كان هناك سحب خفيف، كأن أحداً ما يجر شيئاً حاداً على الرخام. وبدأ مقبض الباب يتحرك ببطء، وكأن هناك من يحاول الدخول دون إحداث ضجيج.
نور، وهي محاصرة بين صدر سلطان القوي والباب المغلق الذي يوشك أن يفتح، أغمضت عينيها محاولة السيطرة على شهيقها المكتوم. شعرت بيد سلطان الأخرى تتحسس غمد خنجر مخفي تحت سترته. لم يكن هذا مجرد متسلل؛ كان شيئاً يعرف تماماً كيف يثير الرعب في قلوب سكان القصر.
بدأ الباب يفتح بصرير طويل ومزعج، يتسلل منه ضوء خافت من الممر المظلم، كاشفاً عن خيال طويل ومشوه يمتد على الأرضية الخشبية. سلطان ضغط على يدها بقوة، وكان صمت الغرفة يتنفس معهما في إيقاع مرعب.
وعندما وصل الخيال إلى عتبة الغرفة، توقف. وفجأة، سقط شيء ثقيل داخل الغرفة، شيئاً أحدث صوتاً معدنياً رن في أرجاء القصر.
أضاء سلطان كشافاً صغيراً في يده، وسلط الضوء باتجاه الباب. ما رأته نور جعل قلبها يتوقف في صدرها؛ لم يكن هناك أحد. الباب كان مفتوحاً على مصراعيه، وعلى الأرضية، وسط الغرفة، كانت هناك رسالة ملطخة بدماء طازجة، وعليها خاتم عائلة العمري، مكسوراً إلى نصفين.
انحنى سلطان ليلتقط الرسالة، وعيناه تشتعلان بغضب خام. "لقد دخلوا القصر يا نور،" قال بصوتٍ لم تسمع فيه خوفاً، بل تهديداً يتجاوز حدود البشر. "ولم يأتوا لسرقة الذهب. لقد جاؤوا ليطالبوا برؤوسنا."
التفت إليها، وبدت ملامحه تحت ضوء الكشاف الخافت وكأنها منحوتة من صوان لا يلين، بينما كانت الرسالة في يده ترتجف قليلاً من قوة قبضته. "استعدي، الليلة ستكون أطول ليلة في حياتك."
في تلك اللحظة، ومن زاوية مظلمة في السقف، سمعا صوت ضحكة خافتة، باردة، ومنتصرة. ضحكة لم تأتِ من مكان في القصر، بل كأنها جاءت من داخل جدرانه ذاتها.