رفعت عيني عن الشاشة. المجلس كله ساكت، حتى النفس صار مسموعاً.
مشيت إلى المانيكان. سحبت الفستان، ثبتّ الكبسولة الأخيرة، وسوّيت حدّ الكتف الأيمن بإبهامي. ثلاث دقائق، لا أكثر. سبع سنين وأنا أفعلها في الظلام.
نزّلت الفستان على ذراعي وناولته لجواهر.
- خذي. خلص.
مدّت يدها مرتبكة.
- لمى… أنا ما قصدت المقطع…
- الفستان بألف وثمانمية. أرسليها لي اليوم قبل حفلتك.
انفتح فم نوف. أم طارق تحرّكت على الكرسي.
- تطلبين فلوس؟ في بيتنا؟
- في بيتكم شغلت سبع سنين ببلاش يا خالتي. حسبتها البارحة. مية وأربعة وستين فستان.
- إحنا مأكّلينك ومسكّنينك!
- في غرفة عند الدرج، عرضها متر ونص. أنا اللي خطّت ستارتها.
طارق نطق اسمي مرة ثانية، منخفضاً، كأنه يخاف أن ينكسر.
- لمى، كفاية اليوم. بس اجلسي. عشر دقايق.
- ما عندي عشر دقايق.
- عندك سبع سنين مو عشر دقايق!
صوته ارتفع لأول مرة منذ زمن، وأمه التفتت إليه مصدومة. أنا نظرت إليه، ونظر إليّ، ولم يتقدّم خطوة. ذكاءٌ منه. لو تقدّم كنت انهرت.
رنّ جوالي في يدي. الرقم نفسه.
أنا بره على البوابة الشمالية. سيارة سوداء.
لا تركبين مع أحد من بيتهم. ولا واحد.
عندي شي لازم تشوفينه قبل بكرة، وبعدها اقرري إذا تدخلين مكتب منصور أو لا.
يدي بردت. رفعت رأسي.
- أنا طالعة.
- وين؟ الساعة تجاوزت العشر.
- على البوابة.
مشيت. سمعت خطواته خلفي في الممر، ثابتة، على مسافة ذراعين لا أقل ولا أكثر. عند باب الحوش وصلت يدي للمقبض ووصلت يده، فسحبت يدي أولاً وسحب يده، وفتح هو الباب ووقف جانباً.
- لمى، أنا ما راح أخليك تطلعين لسيارة ما تعرفينها.
- ومنذ متى تقرر أنت؟
- من اليوم.
- متأخر يا طارق.
الهواء بره كان رطباً وثقيلاً. عند البوابة الشمالية سيارة سوداء، والمصباح الوحيد فوقها مكسور من سنة، ينوّس ثم ينطفئ. وقفت على بعد خمس خطوات منها. طارق وقف خلفي، ولم يتكلم.
نزل زجاج النافذة ببطء.
رجل في الستين. عقاله مائل قليلاً، ووجهه… وجه أمي. نفس العينين، نفس الحاجب المكسور من طرفه. حسست بركبتي تخون.
- ما تعرفينني، لكن أنا شفتك وأنت طفلة. أنا أخو موزة.
اسم أمي في فمه. ما سمعته من ثمان سنين.
- ليش الحين؟ وين كنت؟
- كنت ممنوع. أبوك منعني، وقبلها منع شي أكبر.
- أي شي؟
نظر خلفي، إلى طارق، ثم عاد إليّ. وخفض صوته.
- أمك ما ماتت بمرض يا لمى.