انتهى صوت المحامي، وبقيت الرنة الصغيرة التي تعلن أن المكالمة أُغلقت تسكن المجلس كله.
مدّ طارق يده بجوالي نحوي. لم آخذه. وضعته الدبابيس في كفي تقرصني، فأنزلتها واحدة واحدة على الطاولة، صوت كل دبوس على الرخام أعلى من صوت أنفاسي.
- الدرويش.
قالها طارق كأنه يجرّب كلمة بلغة لا يعرفها.
- هذا اسمك؟
- اسمي لمى بنت خليفة الدرويش. سألتني قبل ربع ساعة وما جاوبتك، وجاك الجواب من المحامي.
التفتت أم طارق في مجلسها ببطء، تسوّي طرف شيلتها كأن العالم ما زال يطيعها.
- بنت، اجلسي وخلّينا نفهم…
- لا تنادينني بنت.
خرجت الكلمات مني هادئة، وهذا أخافني أكثر من لو صرخت.
- سبع سنوات وأنا في بيتكم، وما ناديتيني باسمي ولا مرة. اليوم سمعتيه من غريب على مكبر صوت.
- لمى…
نطقه طارق. أول مرة أسمع اسمي بصوته منذ زمن لا أذكر أوله. رفعت عيني إليه ورفع عينيه إليّ، وبقينا هكذا ثانيتين، لا أحد يتحرك، والمسافة بيننا خطوتان تحسّان كأنها بلد.
قطعت جواهر الصمت وهي تقوم من مكانها:
- طيب والفستان؟ الحفلة بعد ثلاث ساعات وأنا لابسة إبر!
- الفستان على المانيكان. باقي له كبسولة وحد الكتف اليمين.
- وأنا وش أدري كيف أخيط؟
- تعلّمي. أنا تعلّمت وأنا في الرابعة عشرة عند أمي.
عندها فقط لاحظت نوف، صديقة جواهر، جالسة على طرف الكنبة، وجوالها مرفوع تجاه وجهي، والضوء الأحمر يعمل.
- نوف.
قالها طارق بصوت جعل السائق يتراجع خطوة نحو الباب.
- نزّلي الجوال. تصوّرين؟
- أنا… كنت أصوّر ستوري للفستان بس.
- احذفيه.
- ما أقدر.
- ليش؟
خفضت نوف الجوال ببطء، ووجهها صار بلون الجدار.
- لأني نشرته قبل خمس دقايق. الصوت طالع… كل الصوت. المحامي، والاسم، وكل شي. عندي أربعة آلاف متابع، وجواهر ريتويت… أقصد أعادت نشره في قصتها.
سكتت الأم. سكتت جواهر. أما أنا، فأقسم أن شيئاً في صدري ضحك.
ثمانية أعوام. ثمانية أعوام دفنت فيها اسمي مع أمي، ونمت في غرفة صغيرة عند السلم، وخطت لهنّ فساتين يستقبلن بها الناس. وكل هذا الصبر مسحته بنت عمرها عشرون سنة في خمس دقائق وستوري واحد.
- لمى، اسمعيني.
خطا طارق نصف خطوة، ثم وقف مكانه. رأيت يده تتحرك ثم ترجع إلى جانبه.
- بكرة العشر… أنا أوديك.
- بكرة أنا أروح وحدي.
اهتزّ جوالي على الطاولة بين الدبابيس. رقم غريب، ورسالة واحدة، قرأتها والمجلس كله يراقب وجهي:
«لمى، وصلني الفيديو. أنا خالك. لا تفتحين الوصية بكرة قبل ما تعرفين وش سوّى أبوك بأمك.»