İçeriğe geç

بين نارين

Bölüm 22 · 4 dk okuma

بين نارين

Bölüm 22

الفصل 22

كان الهواء في المتاهة ثقيلاً، مشبعاً برائحة النحاس الممزوجة بعبق قديم، رائحة أشياء دفنت تحت طبقات من النسيان وخرجت الآن لتطالب بحقها في الوجود. لم تكن الجدران الحجرية مجرد صخور؛ كانت تتنفس، تتوسع وتتقلص وكأنها قفص صدري لعملاق يحتضر.

وقفت سلمى، أنفاسها متقطعة، تشعر ببرودة الجدران تتسرب إلى جلدها رغم ثوبها. كان يونس يقف على بعد خطوات منها، ظهره لها، جسده المتوتر كان يشي ببركان على وشك الانفجار. في الظلال، هناك، حيث يتلاعب الضوء الخافت بوجوه غير مرئية، كان ذلك الكيان يراقب. لم يكن كياناً جسدياً، بل كان حضوراً ثقيلاً يضغط على أدمغتهما، يهمس بأسرار ترفض العقول استيعابها.

التفت يونس ببطء. كانت عيناه، اللتان طالما رأتهما سلمى مرآة لذكاء حاد، مكسورتين الآن. بريق الهوس الذي كان يخفيه بعناية بدأ يتسرب منه كنزيف لا يتوقف.

"هل تعتقدين حقاً، يا سلمى، أننا جئنا إلى هنا بالصدفة؟" صوته كان أجشاً، يحمل رنيناً معدنياً زاد من رعب اللحظة.

تقدم خطوة نحوها، وبدلاً من الخوف المعتاد، شعرت سلمى بتلك القوة المظلمة التي تجذبها إليه، قوة المغناطيس الذي لا يرحم. "ماذا تقصد؟" همست، محاولة استجماع شتات قوتها.

ضحك يونس، ضحكة خالية من المرح، ارتطم صداها بجدران المتاهة التي بدأت تتلون بلون قرمزي داكن. "القرار الذي اتخذتِه، ذلك الخيار الذي ظننتِ أنه سيحرركِ... كان هو القيد الذي ربطكِ بأبديتي. أنتِ لستِ هنا لإنقاذي، بل لتكوني الجزء المفقود في هذه الآلة الجهنمية."

فجأة، اهتزت الأرض تحت أقدامهما بعنف. سقطت سلمى على ركبتيها، بينما انفتحت شقوق في السقف، تساقط منها غبار أسود كثيف غطى المكان. ومن بين ذلك الغبار، برز الكيان؛ لم يكن له وجه، بل كان انعكاساً مشوهاً لما كان يونس وسلمى عليه في ماضيهما.

"لقد كذب عليكِ، سلمى." صوت الكيان لم يأتِ من الخارج، بل من داخل عقلها، صوتها هي نفسها، لكن بنبرة أكثر قسوة. "يونس ليس سجيناً هنا. إنه المهندس. إنه من رسم خرائط ألمكِ، وهو من اختار هذه المتاهة لتكون مقبرتكما المشتركة، حيث لا يمكن لأحد أن يجدكما، حيث يذوب الزمن ويصبح العشق عقاباً أبدياً."

تصلبت سلمى في مكانها. نظرت إلى يونس الذي توقف عن الحركة تماماً، وجهه شاحب كالموتى. لم ينكر. لم يدافع عن نفسه. بدلاً من ذلك، مشى نحوها ببطء، وفي عينيه لمعة من الانكسار والانجذاب القاتل. انحنى أمامها، وأمسك وجهها بين يديه الباردتين، مما جعلها ترتجف رغم رغبتها في التراجع.

"نعم،" اعترف يونس، وصوته يقطر عذاباً وحباً لا يطاق. "لقد سرقتكِ من العالم الخارجي لأنني لم أستطع العيش في عالم لا تلمس فيه عيناي وجهكِ كل ثانية. هذه المتاهة هي انعكاس لروحي التي مزقها الحنين إليكِ. ظننتُ أنني إذا حبستكِ هنا، سأكون المالك الوحيد لذكراكِ."

كانت الكلمات كالخناجر تغرس في قلب سلمى. كل لحظة حنان، كل نظرة عميقة، كل وعد قطعاه، تحول إلى خدعة مريرة. "أنت وحش،" همست سلمى، والدموع تحرق خديها. حاولت دفعه، لكنه أمسك بمعصميها بقوة، مقرباً إياها منه حتى شعرت بأنفاسه على شفتيها.

"أنا عاشق،" صحح لها، ونبرته كانت تهديداً خفياً. "والعاشق في هذا المكان يملك حق المحو."

ازدادت حدة الاهتزازات. بدأت الجدران تنهار، ليس لتفتح طريقاً للنجاة، بل لتكشف عن فضاء لانهائي من السواد، حيث تتعلق أرواح ضائعة أخرى، ضحايا سابقين لهذه المتاهة. أدركت سلمى أن الحقيقة لم تكن هي الخلاص، بل كانت الانهيار التام لكل ما آمنت به.

"انظري حولكِ،" همس يونس في أذنها، صوته أصبح أكثر حدة مع اقتراب الانهيار. "المتاهة تموت لأنها لم تعد تتحمل ثقل أسرارنا. إذا سقطت الجدران، لن نعود للواقع. سنُسحق تحت أنقاض ذواتنا، ولن يبقى منا سوى صدى يتردد في هذا الفراغ."

حاولت سلمى انتزاع يدها، لكن الكيان اقترب أكثر، محيطاً بهما بهالة من الطاقة المظلمة التي بدأت تمتص الضوء من كل مكان. "علينا أن نختار،" أضاف يونس، وهو يغرس نظراته في عينيها. "إما أن نغرق معاً في هذا السواد، أو أقتلكِ الآن بيدي هاتين، لأضمن أنكِ لن تنتمي لأحد غيري، حتى في الموت."

في تلك اللحظة، شعرت سلمى بتيار كهربائي يجتاح جسدها. لم يكن يونس مجرد رجل أحبته، بل كان جزءاً من روحها التي تشوهت. كانت تعرف أن الانهيار وشيك، وأن الخيارات قد نفدت. التقطت سلمى خنجراً خفياً كان يتدلى من حزام يونس، دون أن يلحظ، ووضعته على صدره، قريبة جداً من قلبه.

"إذا كان هذا هو الحب، يا يونس،" قالت بصوت لم تكتنفه أي رحمة، "فدعنا نرى من منا سيُطحن أولاً."

في تلك اللحظة، توقفت الجدران عن الانهيار، وساد صمت مطبق. انطفأ الضوء تماماً، ولم يعد يسمع سوى صوت ضربات قلبهما المتسارعة، وصوت الكيان الذي بدأ يضحك بسخرية، وكأنه يشاهد نهاية فصل وابتداء عذاب أبدي.

ومضت شرارة زرقاء من خنجر سلمى، لتكشف عن مشهد مرعب: لم يكن يونس وحده في المتاهة، بل كانت هناك مئات النسخ منه، يقفون في الظلال، كلهم ينظرون إليها بنفس نظرة العشق والجنون.

رفعت سلمى الخنجر، مستعدة للضربة القاتلة، بينما خطى يونس خطوة أخرى للأمام، ضاغطاً بصدره على نصل الخنجر، مبتسماً لها ابتسامة المعتوه الذي يرى في موته خلاصاً.

"افعليها،" همس. "دعينا نتحرر من هذا السجن... أو لندفنه فوق رؤوسنا."

وفجأة، شعرت سلمى بيد ثالثة تمسك بساعدها، يدٍ لم تكن لها ولا ليونس. توقف الزمن.

Bölüm sonu

0 yorum

Bu bölüme henüz yorum yapılmamış. İlk yorumu sen yaz.