كان الهواء في الغرفة ثقيلاً، مشبعاً برائحة الأوزون والرماد، كأنما الطبيعة نفسها توقفت عن التنفس بانتظار الانفجار المحتوم. وقف زيد في منتصف القاعة الواسعة، حيث تتوزع المرايا العتيقة كأنها شواهد قبور في مقبرة من زجاج. انعكاساته كانت كثيرة، لكنها لم تكن جميعها تخصه. في إحدى المرايا، بدا وجهه شاحباً ومغلفاً بالندم، وفي أخرى، كانت عيناه تلمعان ببريق أسود غريب، وكأن شيئاً ما من خارج هذا العالم بدأ يغتصب ملامحه.
"داليا؟" نادى بصوتٍ متهدج، صدى صوته ارتطم بالجدران ليعود إليه مكسوراً.
لم يأتِ الرد من الفراغ، بل من السطح الفضي للمرآة الكبيرة المواجهة له. بدأت الصورة بالتموج، ثم تلاشت ملامح الغرفة لتظهر داليا. لم تكن داليا التي عرفها، تلك التي كانت تضحك في ضوء الشمس. كانت داليا الأخرى؛ كيانٌ من ظلال متحركة، وشعر ينساب كخيوط من ليل أبدي، وعينان لم تعودا تريان العالم المادي، بل تريان خيوط الروح التي تربطهما.
خرجت يدها من سطح الزجاج، برودة لا توصف لامست وجنة زيد. انتفض، ليس رعباً، بل لأن تلك اللمسة أيقظت في أعماقه بركاناً من الرغبة الممزوجة بالألم. كان يشعر بكيانه يتشقق، إنسانيته تتآكل تحت ضغط حضورها الطاغي.
"لقد ناديتني، زيد،" همست داليا، وصوتها كان كوقع أقدام على ثلج رقيق. "هل كنت تظن أن التضحية ستكون نهاية المطاف؟ إنها مجرد بداية الاندماج."
اقتربت أكثر، حتى تداخلت ظلالهما على الأرضية الخشبية الباردة. كان زيد يرى في عينيها هاوية، هاوية تطلب منه أن يقفز. "لقد خنتني،" قال زيد، وصوته يخرج كأنينٍ مكبوت. "لقد أصبحتِ كابوساً يتنفس في الغرف التي أعيش فيها. هل هذا ما أردتِه؟ أن تمزقي روحي بينما تسكنين المرايا؟"
ضحكت داليا، وكانت ضحكتها تشبه انكسار الزجاج. "أنا لا أمزق روحك، أنا أحررها من عبودية الجسد الفاني. أنت تحبني، زيد، أليس كذلك؟ ألا تشعر بهذا الشد في أحشائك؟ إنها ليست أنفاسك التي تتسارع، إنها روحي التي تطلب أن تلتئم مع روحك."
حاصرتْه بين ذراعيها الشبحيتين، وضغطت بجسدها الذي كان يتأرجح بين الملموس والعدم. شعر زيد بتيار بارد يسري في عروقه، يطفئ حرارة دمه. كانت القوى المظلمة التي استيقظت فيها تغلفه، تقيده، وتعده بالنشوة مقابل الضياع. كان يعلم، في عمق وعيه الذي بدأ يغيب، أن ما تطلبه هو ثمن باهظ: روحه، جوهره، كل ما يجعله 'زيداً'.
"أنتِ لستِ داليا،" صرخ وهو يحاول التراجع، لكن أطرافه لم تعد تستجيب لإرادته. "أنتِ كيانٌ يتغذى على ذكراي. أنتِ لستِ سوى انعكاس لظلمتي التي أطلقتِ سراحها!"
انعكست تعابير داليا من الحنان المرعب إلى الحزم القاسي. اقتربت من أذنه، وأنفاسها الباردة جعلت شعيرات جسده تنتصب. "أنا أنت، زيد. أنا الجانب الذي خفتَ مواجهته دائماً. أنا الانهيار الذي كنت تهرب منه في كل لحظة حب عشتناها. الآن، ليس هناك مفر. المرايا كلها تحطمت في الخارج، والآن لا يوجد سوى هذا الداخل. اخترني، أو دعنا نتحطم معاً."
في تلك اللحظة، بدأ المنزل يهتز. الصور على الجدران سقطت وتناثرت، والشموع انطفأت في آنٍ واحد. وكأن القوى التي استدعتها داليا بدأت تلتهم المكان. شعر زيد بيدها تخترق صدره، ليس كجرح مادي، بل كاختراق لطاقته الحيوية. رأى حياته تمر أمامه، ذكريات الطفولة، الخيبات، اللحظات التي غرق فيها في عينيها، وكلها كانت تندمج مع سوادها.
كان الصراع يبلغ ذروته؛ إرادته تقاوم الانصهار، بينما جسده يغرق في سحرها المظلم. "داليا، إذا ذبتُ فيكِ، سأختفي للأبد!" استنجد بها، رغم علمه بأنها هي مكمن الخطر.
"لن تختفي، ستصبح خالداً معي،" أجابت، وعيناها بدأت تتوهجان بلونٍ أرجواني عميق. "انظر إلى المرآة، زيد. انظر إلى ما نصبح عليه."
التفت زيد ببطء نحو المرآة الكبيرة. لم يرَ انعكاسه، ولم يرَ داليا. رأى كياناً واحداً ينمو، وجهاً يمزج ملامحهما في تناغم شيطاني، ظلاً يمتد ليغطي كل زاوية في الغرفة. كانت تلك هي الحقيقة الكبرى: لم يكن هو ضحية لها، بل كانا قطعتي مغناطيس في كون يحكم عليهما بالاتحاد أو الفناء.
فجأة، انشق سطح المرآة بعنف. صوتٌ مدوٍ كصوت الرعد أصمّ أذنيه. شظايا الزجاج بدأت تحلق في الهواء، محيطة بهما كإعصار من السكاكين. داليا سحبت يده بقوة، جذبتْه إلى قلب الفراغ الذي خلف الزجاج. كان العالم الذي يعرفه ينهار تماماً، الأرض تحت قدميه تتلاشى، والسقف ينهار ليترك مكانه سماءً سوداء بلا نجوم.
شعر بآخر ذرة من إرادته تتزعزع. "داليا!" صرخ، وكانت صرخته هذه المرة صرخة استسلام لا مقاومة.
في تلك اللحظة، توقف كل شيء. الغبار المعلق في الهواء، الشظايا التي كانت ستغرس في جسده، الصمت الذي تلى الضجيج. وجد نفسه معلقاً في العدم، وجهاً لوجه مع داليا التي كانت عيناها الآن بوابتين للجحيم.
"الآن،" همست بينما بدأت الجدران المتبقية من الواقع تتساقط كأوراق الخريف. "أعطني إياها. أعطني تلك الشعلة الأخيرة التي تسميها 'أنت'."
مدت يدها نحو قلبه، وأحس زيد بصدعٍ حقيقي يفتح في صدره، ضوءٌ ذهبي خافت بدأ يتسرب من أعماقه، بينما كانت هي تمتص هذا الضوء بجوعٍ نهم. كان الانجذاب في تلك اللحظة قاتلاً، مزيجاً من الرغبة في الموت بين يديها والحاجة للبقاء في أحضانها.
وفجأة، لمست أصابعه يديها. التفتت الأصابع، وتلاحمت الأرواح. في اللحظة التي التقت فيها أطراف أصابعه بقلبها، حدث انفجار من الظلام والضوء أعمى بصيرته. شعر بجسده يتلاشى، وبوعيه يتشتت في آلاف المرايا المتكسرة. وقبل أن يسود الظلام التام، رأى داليا تبتسم ابتسامة لم يرَ مثلها من قبل؛ ابتسامة نصر، وابتسامة وداع في آنٍ واحد.
حاول أن يشد قبضته عليها، ليمنعها من الرحيل به إلى المجهول، لكنه شعر بشيء غريب يلامس ظهره... شيء بارد، معدني، وحاد.
---