كانت الجدران في ذلك القبو المنسي تتنفس؛ جدران حجرية خشنة لا تكتفي بكونها هيكلاً صامتاً، بل كانت مرآة مشوهة لأرواحهم المعذبة. في الزاوية البعيدة، حيث يمتزج الضوء الخافت بظلال متراقصة، كان زيد يقف، ملامحه الحادة تحت الضوء الشحيح تشبه منحوتة من رخام أسود، باردة، قاسية، ومغرية بشكل قاتل.
اقتربت داليا، وقع خطواتها على الأرضية الحجرية كان يبدو كدقات ساعة تنازع البقاء. شعرت بأن الهواء المحيط بهما مشحون بكهرباء ساكنة، وكأن المكان نفسه يحاول منعهما من التلاقي. كان عليها أن تختار، والخيارات كانت تتطاير حولها كأوراق محترقة في مهب ريح عاتية.
"لقد بدأتِ تشعرين به، أليس كذلك؟" صوت زيد كان أجشاً، منخفضاً، يحمل نبرة تهديد لم تكن موجهة لها، بل للواقع الذي يحاول تمزيقهما.
توقفت داليا على مسافة ذراع منه. كانت تستطيع رؤية العروق البارزة على ساعده، وكيف كانت عيناه، اللتان تشبهان ليالي بلا نجوم، تلاحقان أدق تفاصيل حركتها. قالت بنبرة حاولت جاهدة أن تجعلها ثابتة: "أشعر بكل شيء، زيد. أشعر ببرودة الميثاق وهو يلتف حول أعناقنا، وأشعر بالظلام الذي يغذي انقسامك."
ضحك زيد ضحكة خالية من المرح، واقترب خطوة واحدة، فتقلصت المسافة لتصبح حميمية ومخيفة في آن واحد. "الظلام ليس منفصلاً عني يا داليا. أنا هو الظلام. والآن، أنتِ تقفين في بؤرة اشتعالي. هل تظنين حقاً أنكِ قادرة على التضحية بما هو مطلوب؟"
مد يده، وبأطراف أصابعه الباردة، مسح خصلة شعر تجمعت على جبينها. لمستْه كانت كلسعة نار خفية. ارتعشت داليا، ليس خوفاً، بل من ذلك الانجذاب المغناطيسي الذي كانت تحاول قمعه منذ أسابيع. لقد كان يقترب، يغزو مساحتها الخاصة، محاصراً إياها بين جسده وبين الحائط الذي بدأت نقوش الميثاق تظهر عليه بوهج باهت.
"سأفعل ما يجب فعله،" همست، وأنفاسها تتعثر. "سواء كان ذلك يعني نجاتك، أو ضياعنا معاً."
تلاشت المسافة تماماً. حاصرها زيد بذراعيه، يضع كفيه على الحائط خلف رأسها، محولاً إياها إلى سجينة لإرادته. كان وجهه قريباً جداً منها، لدرجة أنها استطاعت رؤية الانعكاسات المضطربة في بؤبؤي عينيه. كان هناك صراع دائر في داخله؛ صراع بين الرغبة في سحبها إلى هاويته، وبين الحاجة اليائسة لحمايتها من الهاوية التي يسكنها.
"أنتِ لا تفهمين حجم الألم الذي سأعانيه إذا اخترتِ التضحية بـ 'أنتِ' من أجل 'أنا'،" قال زيد، وصوته أصبح أقرب إلى الهمس القاتل. انحنى ليقترب أكثر، حتى لامست أنفاسه بشرتها. كان يشم رائحة خوفها، ورغبتها، وتناقضها الممزق.
داليا وضعت يديها على صدره، لتستشعر نبضات قلبه المضطربة. كان القلب ينبض بعنف، ليس بانتظام، بل وكأنه يقاتل شيئاً ما داخل قفصه الصدري. نظرت إليه، وتلاشت كل دفاعاتها. لم يعد هناك مكان للاختباء. "أنت تظن أنك الوحيد الذي يعاني من هذه الأغلال، زيد؟ أنت لا تدرك أنني منذ اللحظة التي لمستني فيها، لم أعد أرى مخرجاً آخر غيرك."
انحسر التوتر للحظة، ليحل محله توتر من نوع آخر، أكثر سخونة، أكثر عمقاً. كان انجذاباً يهدد بحرق كل شيء حولهما. زيد، الذي طالما تعامل مع مشاعره كأنها ذنب، بدا وكأنه فقد السيطرة على قناعه. اقترب أكثر، حتى كادت شفتاهما تتلامسان، وفي تلك اللحظة، شعر كلاهما أن المكان بدأ يهتز، وكأن الواقع نفسه يعترض على هذا التقارب الحميم في قلب هذا الجحيم.
أغمضت داليا عينيها، مستسلمة للحظة، لكن صوتاً مسموعاً ومعدنياً تردد في أرجاء القبو؛ صوت سلاسل ثقيلة تُسحب على الحجر. تجمد زيد. كان هذا الصوت هو نذير الشؤم الذي يحذر من أن الكيان المظلم قد استشعر لحظة ضعفهما.
ابتعد زيد عنها فجأة، وكأنه تعرض لصعقة كهربائية. نظر إلى يديه، اللتين بدأتا تتوهجان بلون أرجواني داكن، علامة على أن الميثاق بدأ يطالب بضريبته.
"لا يمكنكِ الاستمرار في هذا،" قال زيد بصوت متهدج، وهو يتراجع نحو الظلال. "كلما اقتربتِ مني، كلما زاد ثمن النجاة. هل أنتِ مستعدة لرؤية ما سأصبح عليه إذا ما تم فك الأغلال؟ هل ستظلين قادرة على النظر في عيني حين تدركين أنني لست سوى انعكاس لأسوأ مخاوفك؟"
تجاهلت داليا تحذيره، وخطت نحوه مجدداً، غير آبهة بالظلال التي بدأت تتشكل حولها كأصابع طويلة تحاول الإمساك بها. "لا يهمني ما ستصبح عليه. يهمني فقط أنني لن أتركك تواجه هذا الميثاق بمفردك."
وفي لحظة مفاجئة، انطفأت كل الشموع في المكان، وغرق القبو في ظلام دامس. وسط هذا الظلام، شعرت داليا بيد زيد تمسك بمعصمها بقوة، لكن لم تكن لمسة بشرية. كانت اللمسة باردة كالثلج، وقوية كالفولاذ، وسحبها بقوة نحو المجهول.
"إذاً، فلنواجه الحقيقة معاً،" قال صوته من العدم، بعيداً جداً وقريباً جداً في آن واحد.
شعرت داليا بسحب عنيف تحت قدميها، وكأن الأرض انشقت لتبتلعهما. في اللحظة الأخيرة، قبل أن تفقد توازنها، شعرت بوجود شيء حاد يضغط على رقبتها من الخلف، ورائحة غريبة بدأت تملأ المكان؛ رائحة دم قديم ووعود محنطة.
هل كان هذا هو الفخ؟ أم كانت هذه هي اللحظة التي أرادها القدر منذ البداية؟
قبل أن تصرخ، شعرت بلمسة زيد مرة أخرى على وجهها، لكنها كانت هذه المرة... دافئة، دافئة بشكل غير منطقي. وعندما عاد بصيص ضوء خافت، رأت داليا شيئاً جعل قلبها يتوقف عن النبض.
زيد لم يكن يقف أمامها وحده. كان هناك كائن آخر، كيان يشبهه تماماً، يقف خلفه، يضع يديه على كتفي زيد، وعيناه تشعان بضوء لا ينتمي لهذا العالم. الكيان نظر إلى داليا بابتسامة خبيثة، وقال بصوت زيد نفسه: "لقد حان وقت الحساب، يا داليا. فمن منا ستختارين ليعيش؟ ومن منا ستُقدمين قرباناً؟"
تراجعت داليا، واصطدم ظهرها بالجدار، لتكتشف أن النقوش التي كانت باهتة قد اشتعلت الآن بنيران حقيقية، تحاصرها في زاوية ضيقة، بينما كان زيد والكيان يتقدمان نحوها بخطوات متناغمة، كأنهما روح واحدة في جسدين.