كان الهواء في هذا المكان ثقيلاً، مشبعاً برائحة الأوزون والرماد، وكأن الزمن نفسه قد توقف عن الجريان ليلتقط أنفاسه الأخيرة. لم تكن هناك جدران بالمعنى المألوف، بل كانت مساحات شاسعة من العدم الرمادي تتلاشى في الأفق، تتخللها أعمدة حجرية شاهقة منقوشة برموز تتحرك كأنها كائنات حية تحت جلد الصخر.
وقفت داليا السعدي في قلب هذا الخواء، أنفاسها متسارعة، وقلبها يقرع في صدرها طبول حرب خاسرة. لم تكن خائفة على حياتها، بل كانت خائفة من ذلك الفراغ الذي خلفه زيد في روحها. كانت تشعر بكل ذرة من وجوده تبتعد، كأن خيطاً غير مرئي يربط بين قلبيهما قد أُنهِك حتى شارف على الانقطاع.
أغمضت عينيها، محاولةً استعادة ملامحه، صوت أنفاسه الخشنة، وتلك النظرة المظلمة التي كانت تتقلب بين الرغبة المحرقة والكره القاتل. كان زيد الراشد في تلك اللحظة يقف على الحافة، حافة أن يصبح وحشاً أبدياً أو ضحية للميثاق الذي نذر نفسه له. "زيد..." همست، وصوتها ضاع في أرجاء المكان دون صدى، وكأن المكان يمتص كل شيء، حتى الكلمات.
فجأة، تحركت الرموز على الأعمدة الحجرية، وبدأت تنبض بضوء أرجواني شاحب. بدأت الرؤى تتدفق إلى عقلها، لا صوراً واضحة، بل أحاسيس؛ شعرت ببرودة الجليد تسري في عروقها، ثم بحرارة الجحيم تلتهم كيانها. رأت زيداً في غابة من الظلال، ملامحه مشوهة بالدماء، وعيناه... تلك العينان اللتان كانتا في يوم ما تلمعان بحب غامض، تحولتا الآن إلى بحار من السواد المطلق. كان يقاتل، ليس ضد أعداء ملموسين، بل ضد الجزء المظلم في داخله الذي كان يحاول تمزيق بقايا إنسانيته.
استجمعت داليا قواها، وقفت بثبات، وبدأت تلمس النقوش الباردة بأطراف أصابعها. كانت تشعر بطاقة غريبة تسري في جسدها، قوة قديمة تحاول ترويضها أو استهلاكها. كلما اقتربت من فك شيفرة الميثاق، كان التوتر يمزق أعصابها. كانت تدرك أن هذا المكان هو "محكمة الأرواح"، أو هكذا يسمى في الأساطير المحرمة التي كانت تقرأها في طفولتها.
أثناء بحثها المحموم، شعرت بتغير في الضغط الجوي. استدارت بسرعة، لتجد ظلاً يتجسد خلف عمود حجري. كان طيفاً، لكنه لم يكن مجرد خيال؛ كان حضوراً يمتلك جاذبية طاغية، قوة جذب جعلتها تتراجع خطوة إلى الوراء، لكن عينيها كانتا مسمرتين على الهيئة التي بدأت تتبلور.
كان هو. أو ربما كان النسخة التي يحاول زيد أن يهرب منها.
اقترب الطيف، كانت ملامحه حادة كشفرة، وشعره الداكن ينسدل على جبينه الملطخ بما يشبه الرماد. لم يقل شيئاً، لكن نظراته كانت تلتهمها، توتر كان يلف المكان، انجذاب غريزي بينهما جعل الهواء يتكهرب. لم تكن داليا قادرة على التمييز بين حقيقة زيد وبين هذا الوهم المظلم الذي يقف أمامها. كان يمثل كل شيء تخاف منه، وكل شيء تتوق إليه في آن واحد.
"داليا،" همس الصوت، عميقاً، خشناً، ومألوفاً بشكل مؤلم. لم يكن صوته تماماً، بل كان صدىً مشوهاً له.
تقدم خطوة أخرى، متجاهلاً المسافة الفاصلة بينهما. كان التوتر الرومانسي بينهما يتصاعد ليصبح خانقاً؛ أرادت أن تهرب، وأرادت أن تندفع بين ذراعيه في نفس اللحظة. كانت الصراعات الداخلية تمزقها؛ هل هو حقيقي؟ هل هذا هو الاختبار الأخير؟
مد يده، وببطء قاتل، لمس وجنتها. كانت يده باردة كالموت، لكنها تركت أثراً من النار على بشرتها. ارتجفت داليا، ونظرت في عينيه، بحثت عن وميض من زيد الذي تعرفه، عن ذلك الرجل الذي ضحى بكل شيء من أجلها.
"هل أنت أنت؟" سألت، وصوتها يرتجف.
ابتسم الطيف ابتسامة لا تصل إلى عينيه، ابتسامة باردة ومغرية في آن واحد. "أنا كل ما تبقى منه، يا داليا. وأنا هنا لأطلب الثمن."
تراجع التوتر، وحل محله شعور بالخطر المحدق. أدركت داليا أن هذا ليس زيداً، بل هو الميثاق نفسه يتحدث بلسانه، يستخدم ذكرياتها ومشاعره تجاهها كطُعم. سحبت نفسها بعيداً، لكنه أمسك برسغها بقوة. كانت قبضته حديدية، لا ترحم.
"الميثاق لا يرحم،" تابع الطيف، واقتربت ملامحه من وجهها حتى شعرت ببرودة أنفاسه. "إما أن تتبعي الطريق، أو يضيع زيد في الظلام للأبد. لا خيار ثالث."
كانت داليا تقف عند مفترق طرق؛ إذا انصاعت، فقد تبيع روحها، وإذا رفضت، فقد تفقد زيد الذي لا يمكنها العيش بدونه. رأت في عينيه انعكاساً لمصيرها المشؤوم. سحبت خنجراً صغيراً كانت قد خبتْه في ثنايا ثوبها، ليس لتطعنه، بل لتجرح كفها فوق النقوش المتوهجة، عازمة على كسر الحصار، مهما كان الثمن.
مع قطرة دمها الأولى التي لمست الصخر، انفتحت الأرض تحت أقدامهما، وبدأ المكان بالانهيار. صرخ الطيف – أو الكيان – صرخة مزقت السكون، وبدأ يتلاشى في الضباب. في تلك اللحظة، رأت داليا شيئاً في الأفق، شيئاً لم تتوقع رؤيته أبداً.
لم يكن فراغاً، بل كان انعكاساً لواقعها المظلم؛ زيداً آخر، مقيداً بسلاسل من ضوء، يقف أمام مرآة تحطم نفسها، وفي كل قطعة من المرآة المكسورة، رأت نسخة من علاقتها بهما، محطمة، محترقة، ومكتوبة بدماء الميثاق.
أدركت داليا حينها الحقيقة المريرة: المكان لم يكن سجناً لزيد، بل كان السجن الذي صنعته هواجسهما معاً، وأن الخروج منه يتطلب ليس فقط فك الشيفرة، بل تدمير الجزء الذي يربط بينهما في هذا العالم المظلم.
فجأة، انقطع خيط الظلام، وساد صمت مطبق. ومن قلب الظلال التي كانت تلتف حولها، سمعت صوتاً خلفها مباشرة، صوتاً لم يكن طيفاً، بل كان حقيقياً لدرجة أنها توقفت عن التنفس.
"لا تلتفتي، داليا... إذا رأيتِ وجهي الآن، فلن تستطيعي أبداً أن تتركيني لأموت."