كان الهواء في هذا المكان ثقيلاً، مشبعاً برائحة الزمان المنسي والرماد البارد. لم تكن الغرفة مجرد قبوٍ مظلم، بل كانت سجناً من صمتٍ مطبق لا يقطعه إلا نبض قلبي المضطرب. رفعت يدي، وكانت أصابعي ترتجف؛ وهجٌ أزرق خافت، كضوء قمرٍ محبوس في بلورة، يتردد صداه تحت جلدي. كلما حاولت كبته، زاد توهجاً، وكلما فكرت في "سلطان"، شعرت بأن القوة التي تسري في عروقي تتشكل لتكون صرخة استغاثة لا يدركها بشر.
أين هو؟ تلك الصورة الأخيرة له—جسده المتداعي، عيناه اللتان كانتا تحملان وعداً بالحماية حتى في لحظة الموت—تحرق ذاكرتي. لم يكن مجرد رفيق درب، كان توازني في عالمٍ مائل.
فجأة، تحرك الظل في زاوية الغرفة. لم يكن شبحاً، بل كان حضوراً مألوفاً، طاقة داكنة تجعل الهواء يتكثف ويصبح من الصعب تنفسه. شعرت به قبل أن أراه. برودة مباغتة سرت في عمودي الفقري، ليست برودة الخوف، بل برودة ذلك الانجذاب المغناطيسي الذي لا مفر منه.
«لا تفتحي عينيكِ يا نور، إن كان ما تشعرين به في دمكِ هو الصواب، فأنتِ في خطرٍ أشد مما تتخيلين.»
صوته. كان عميقاً، خشناً، وكأنه نُحت من صخور الجبال. فتحت عيني ببطء، لأرى "سلطان" واقفاً عند حافة الضوء. كان وجهه ملطخاً بغبار المعركة، وكتفه الأيسر مغطى بضمادات بدائية تلطخت بدمٍ أسود، لكن عينيه... كانتا تحملان لهيباً لم أعهده من قبل.
اندفعت نحوه دون تفكير، متجاهلة تلك القوة التي تنبض في أطرافي. عندما اقتربت، شعرت بلفحة حرارة تنبعث منه. توقفت على بعد نبضة قلبٍ منه، استطعت سماع أنفاسه المتقطعة.
«سلطان...» همست، ومددت يدي لألمس وجهه. كان حقيقياً، دافئاً، ومضطرباً مثلما كنت.
أمسك معصمي بقسوةٍ محببة، كانت أصابعه تحيط ببشرتي كأنها قيود. لم يبتعد، بل اقترب أكثر حتى تداخلت أنفاسنا. في تلك اللحظة، لم تعد الغرفة موجودة، ولم تعد السلالة الملعونة التي تسكن دمي مهمة. كان هناك فقط التوتر الذي يشد أرواحنا نحو بعضنا البعض، رغبةٌ مكتومة تحاول كسر الحواجز التي فرضناها على أنفسنا منذ بدأت هذه الرحلة.
«لماذا جئت؟» سأل، وصوته يرتجف بحدة. «كان عليكِ أن ترحلي، أن تهربي إلى أي مكان لا أكون فيه. وجودي بالقرب منكِ الآن ليس سوى فتيلٍ لقنبلة لا تعرفين أبعادها.»
«لا أستطيع الهروب من نفسي، يا سلطان، ولا أستطيع الهروب منك،» أجبت، وصوتي يكتسي بحدّةٍ غير مألوفة. شعرت بيدي الأخرى التي كانت تلامس صدره تتوهج باللون الأزرق. القوة التي أحاول قمعها كانت تتفاعل مع نبضات قلبه المتسارعة.
تغيرت ملامحه. تحول الألم في عينيه إلى رغبةٍ عارمةٍ تختلط بيأسٍ عميق. وضع يده الأخرى على خصري، ساحباً إياي لالتصق به. كان التماس بيننا مؤلماً، كأنه تلاحم لنارين مختلفتين. كان يعلم، وأنا كنت أعلم، أننا نقف على حافة الهاوية. إذا استسلمنا لهذا الانجذاب، ستتحرر القوة التي تسكنني وتدمر كل ما حولنا، وإذا ابتعدنا، ستمزقنا الوحدة.
«أنتِ لا تدركين ما تفعلينه بي،» قالها بصوتٍ مخنوق، وهو يقرب وجهه من عنقي. شعرت بأنفاسه تحرق جلدي، ورائحة دمه الممزوجة برائحة العواصف تملأ حواسي. «في كل مرة تقتربين، أشعر أن هذه اللعنة التي في عروقكِ تناديني، وتخبرني أنني لن أكون آمناً إلا إذا كنتِ ملكي تماماً.»
«إذن، لماذا تقاوم؟» قلت، بينما كانت أصابعي تغوص في شعره الداكن.
«لأنني أريد أن أكون الرجل الذي يحميكِ، لا الوحش الذي يلتهم روحكِ،» أجاب، ثم قبل بشرتي برقةٍ جعلت الأرض تميد بي.
لكن، وفي ذروة هذا التلاحم العاطفي، طرأ طنين حاد في أذني. القوة في دمي تمردت، وكأنها ترفض هذا الضعف البشري. اندلعت شرارة زرقاء من صدري، دفعت سلطان للخلف بقوةٍ لم أتحكم بها. اصطدم جسده القوي بالجدار الحجري، وسقط أرضاً متألماً.
شهقت، وراجعت خطواتي للخلف، مرعوبة مما فعلته. القوة كانت تتصاعد، تتحكم في أطرافي، ترسم وشوماً متوهجة على ذراعيّ لم تكن موجودة قبل لحظات.
نهض سلطان بصعوبة، يمسح الدم عن شفته. لم يكن ينظر إليّ بغضب، بل بنظرة حزينة، نظرة شخصٍ يرى غرق سفينته الأخيرة.
«انظري إلى ما أصبحنا عليه، نور،» قال وهو يشير إلى يديه اللتين كانتا تحترقان ببطء بآثار لمستنا. «لقد بدأنا بفتح أبواب لا يمكن إغلاقها.»
ساد صمتٌ طويل، لم يقطعه إلا صوت الرياح التي بدأت تعصف في الخارج، وكأن العالم الخارجي يرفض وجودنا معاً. كان عليّ أن أتخذ قراراً: أن أنسى هذا الانجذاب لأتمكن من النجاة، أو أن أستسلم لنداء السلالة وأحرق كل شيء في طريقنا نحو الحقيقة.
اتجهت نحو النافذة الحجرية الضيقة، ونظرت إلى الأفق. كانت أراضي الرماد تلوح في الأفق البعيد، سماءٌ بلون الرصاص وأرضٌ ميتة تنتظر قدومنا. شعرت بصوتٍ خفي، صوت سلالتي الملعونة يهمس في عقلي، يطالبني بالتخلي عن آخر ذرة من إنسانيتي.
«نحن لن نصل إلى نهاية هذه الرحلة،» قال سلطان من خلفي، صوته كان هادئاً، بارداً، ومرعباً في يقينه.
التفتُ إليه، وكان وجهه قد استعاد قناعه الصلب. «لماذا؟» سألت.
«لأن هناك شيئاً يطاردنا، نور، شيئاً لم يرسله الحراس، بل أرسله ذلك الكيان الذي يسكن في أعماقكِ منذ الولادة.»
في تلك اللحظة، انهار باب الغرفة الحديدي ليس تحت ضغط الرياح، بل تحت ضغط كيانٍ كان يترصدنا منذ استيقاظي. كان ظلاً طويلاً، يتشكل من الرماد، وعيناه كانتا تطابقان تماماً الوهج الأزرق الذي كان يشتعل في يديّ.