وضعتُ الصندوق على الأرض بيني وبينه، ولم أرفع يدي عنه.
- قل الحين. وش في الدرج.
طارق ما تحرّك من حدّ البوابة. عينه رجعت للنافذة المضاءة في الدور الثاني، ثم نزلت عليّ.
- لمى، ارفعي صوتك أقل. الحين مو وقته.
- سبع سنين وأنا أخفض صوتي في هالبيت. خلاص.
سحب نفساً طويلاً. مدّ يده إلى جيبه، وأخرج ميدالية مفاتيحه. فكّ منها مفتاحاً صغيراً، أصغر من إصبعي، لونه باهت من كثر الاحتكاك.
- الدرج ما ينفتح إلا بهذا.
انقطع نفسي.
- من وين لك مفتاح ماكينة أمي؟
- من ثمان سنين وهو معي.
قالها وكأنه يضع حجراً على صدري. مدّ يده بالمفتاح نحوي، ثم توقّفت يده في الهواء. سحبها. وضع المفتاح على حافة البوابة الإسمنتية ودفعه بطرف إصبعه ناحيتي، وأبعد يده.
- خذيه.
ما أخذته. كنت أنظر إليه فقط.
- طارق، أمي دخلت بيتكم وما طلعت منه. وأنت... أنت كنت داخل البيت ذاك اليوم؟
- كنت في الثالثة والعشرين.
- هذا مو جواب.
- كنت في البيت. إي.
صار الشارع ساكناً إلى درجة أني سمعت صوت المكيّف على السطح. أخذت المفتاح من الحافة. كان بارداً.
- ليش سكتّ سبع سنين وأنا أخيط لأمك وأختك وأنام في غرفة عرضها متر ونص؟ ليش ما قلت لي؟
- لأني كنت جبان.
قالها بصوت غريب، صوت ما سمعته منه ولا مرة.
- وأنا شفتك أول مرة تدخلين هالبيت، وعرفت وجهك قبل لا أعرف اسمك. عرفته من...
- من وين؟
سكت.
- من وين يا طارق؟
- من صورة.
جلستُ على ركبتي عند الصندوق. أدرتُ القفل. وقفت يدي.
- إذا فتحته وطلع فيه شي يخصك، أنا بطلع من هالباب وما أرجع.
- أعرف.
- ولا يهمك؟
خطا خطوة. خطوة واحدة، خرج فيها من حدّ البوابة إلى الشارع، وهو ما طلع لي من هالبوابة ولا مرة في سبع سنين. وقف على بعد ذراعين، ويداه على جنبيه، ونظرته ما تركت عينيّ.
- يهمني إلى درجة إني من شهرين وأنا أدوّر عليك.
- أنا قدامك كل يوم.
- لا. مو أنتِ. أدوّر على اللي كنتِ قبل لا يصير اسمك بنت.
ارتجف شي في حلقي. وقفت. صار بيني وبينه خطوة ونص، ولا أحد منا يتراجع.
- طارق—
- خليني أكمل. سبع سنين وأنا أأجّل هالجملة، وإذا ما قلتها الليلة ما راح أقدر أقولها بعد ما تفتحين هالدرج.
- قلها.
فتح فمه. اهتزت شفته.
- لمى، أنا اللي—
واشتعل مصباح البوابة المكسور من سنة، فوق رأسينا، دفعة وحدة.
التفتُّ. عند باب البيت، وقفت جواهر حافية، وجوالها مضيء بيدها.
قالت:
- أمي تعرف اسم أمك.