كانت الغرفة ترتجف، ليس بفعل زلزال أرضي، بل بفعل تصدع في نسيج الواقع. المرايا العتيقة المعلقة على الجدران لم تعد تعكس وجوهنا؛ بل كانت تبتلع الضوء، محولةً الغرفة إلى ثقب أسود يلتهم كل ذرة من هويتنا.
"يونس، لا تترك يدي!" صرخت، وصوتي بدا غريباً، وكأنه يخرج من حنجرة شخص آخر، أو ربما من صدى قديم يعود لقرون خلت.
يونس كان يقف أمامي، قبضته على معصمي تشتد حتى كادت عظامي أن تطحن، لكن عيناه كانتا غائمتين. لم يعد يونس الرجل الذي أعرفه، بل بات مرآة أخرى، كياناً هجيناً بدأنا نتشكل داخله. الكيان الثالث، ذلك الظل الذي يتنفس من خلف الزجاج، بدأ يتسرب إلى غرفتنا كالدخان السام. لم يكن مجرد مراقب، كان "نحن" في صورة مشوهة، كان النتيجة الحتمية لاندماج أرواحنا المريضة.
"سلمى، هل تسمعين صوته؟" همس يونس، وصوته كان يتردد بآلاف النبرات المتداخلة. "إنه يخبرني أننا لم نكن يوماً اثنين. لقد كنا دائماً شظايا لشيء واحد، مكسور منذ الأزل."
اقترب الكيان من سطح المرآة الرئيسية. لم يكن له وجه، بل كان فراغاً يعكس كل رغباتنا المكبوتة، كل ذنوبنا التي دفناها تحت جلودنا. كان التوتر بيننا وبين هذا الفراغ مشحوناً برغبة قاتلة؛ رغبة في الاندماج معه لإنهاء هذا العذاب، ورغبة في تمزيقه للبقاء على قيد الحياة.
شعرت ببرودة تلامس جلدي، وكأن أصابع غير مرئية بدأت تعبث بذاكرتي. بدأت أرى مشاهد لم أعشها، لحظات من حياة يونس، وكأن أسراره أصبحت ملكاً لي، ومخاوفه صارت دمي. في المقابل، رأيت الألم في عينيه وهو يكتشف ظلامي الخاص. لم يكن هناك أسرار بعد الآن، فقط حقيقة عارية ومؤلمة.
"إنه ليس خارجنا يا يونس،" قلت والدموع تحرق خدي، "إنه الحقيقة التي خفناها. نحن نقتل أنفسنا لنصبح شيئاً آخر."
اندفع الكيان من المرآة. لم يكن جسداً، بل كان موجة من طاقة سوداء تغلغلت في أجسادنا. في تلك اللحظة، فقدت الإحساس بحدودي الجسدية. أين تنتهي سلمى وأين يبدأ يونس؟ تداخلت أنفاسنا، وتلاشت نبضات قلوبنا لتصبح نبضة واحدة بطيئة ومضطربة. كان الانجذاب بيننا قوياً لدرجة أنه كاد يمزق جلودنا؛ كنا ننجذب لبعضنا كقطبي مغناطيس يحاولان إلغاء الفراغ بينهما، لكن الكيان الثالث كان يسحبنا نحو هاوية العدم.
"سلمى، اختاري!" صرخ يونس، وكان جسده يبدأ في التلاشي، ليتحول إلى شظايا ضوئية باردة. "إما أن نغرق في هذا الوجود المشترك، أو نحطم المرايا ونعيش كغرباء للأبد."
نظرت إلى المرآة الكبيرة. رأيت انعكاسنا معاً، ولكن في العمق، رأيت الكيان الثالث يبتسم. كانت ابتسامة مرعبة، مليئة بالتشفي. لقد كان يتغذى على حبنا، على تمزقنا، على تلك الرغبة المظلمة التي جمعتنا في المقام الأول. أدركت حينها أن الحل ليس في الهروب، بل في التملك.
أطبقت على يد يونس بقوة، وسحبت نفسي نحوه حتى التقطت شفاهنا في قبلة يائسة، كانت بطعم الحديد والرماد. في تلك اللحظة، لم نكن سلمى ويونس، كنا الانفجار الذي يسبق الخلق. قمت بكل قوتي بدفع يونس بعيداً عن مركز الجاذبية، بينما وجهت يدي الأخرى نحو سطح المرآة، ليس لأحطمها، بل لأعبر من خلالها.
توقف الزمن. تحولت الغرفة إلى صمت مطبق. انهار الكيان الثالث تحت وطأة توحدنا الكامل؛ فقد عجز عن امتصاص طاقتنا لأننا اخترنا الاحتراق معاً بدلاً من الانصياع لقوانينه. المرايا تشققت، ليس بفعل ضربة، بل بفعل ذبذبات أرواحنا التي استعادت توازنها.
سقطنا على الأرض، ملتصقين ببعضنا كأننا قطعة واحدة. كان الضوء الخافت يتسرب من خلال الشقوق في المرايا، وكأن الغرفة بدأت تتنفس من جديد. كان يونس يلهث، يده لا تزال تضغط على خصرِي، وعيناه... أخيراً، كانت عيناه تعودان للونهما الطبيعي، ذلك اللون الذي أحببته في الظلام.
"هل انتهى الأمر؟" همس، وصوته كان واهناً، متهدجاً.
لم أجبه. نظرت إلى الغرفة التي بدأت تستعيد ملامحها الواقعية، لكن شيئاً ما ظل معلقاً. في الزاوية البعيدة، بقيت مرآة واحدة سليمة، مرآة لم تكن موجودة من قبل. مشيت نحوها بخطوات متعثرة، وكان يونس يتبعني، ممسكاً بيدي كأننا نخشى أن نتلاشى بمجرد ابتعادنا.
وقفنا أمام المرآة السليمة. انعكاسنا كان طبيعياً، لكننا لاحظنا شيئاً غريباً. في الانعكاس، لم نكن نحن من نمسك بأيدي بعضنا، بل كان هناك ظل ثالث يقف خلفنا، يضع يديه على أكتافنا. التفتُّ بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد خلفنا.
التفتُّ إلى يونس، كان وجهه شاحباً كالموتى. نظر إلى المرآة مرة أخرى، ثم همس بكلمة واحدة جعلت دمي يتجمد في عروقي.
"سلمى... انظري إلى انعكاسي."
نظرت. يونس كان يقف بجانبي، لكن في المرآة، كان يونس وحيداً. انعكاسي لم يكن موجوداً.
---