كانت قاعة الأصداء تنبض ببرودة موحشة، كأن الجدران المكسوة بالمرايا العتيقة تتنفس أنفاساً جليدية. وقف زيد الراشد في المنتصف، أنفاسه متسارعة، وعيناه الزجاجيتان تلاحقان الانعكاسات التي تتلاعب بواقعه. أمامه، كانت داليا تقف، أو هكذا أراد لقلبه أن يصدق. كانت ترتدي ثوباً حريرياً بلون الليل، ينسدل على جسدها بنعومة تخفي خلفها شراسة الكائن الذي يتقمص ملامحها، تلك الملامح التي لطالما كانت ملاذه الوحيد في هذا الجحيم.
اقترب زيد خطوة، فارتجفت انعكاسات داليا في المرايا المحيطة. لم تكن مجرد انعكاسات؛ بل كانت نسخاً مشوهة، بعضها يبتسم بسخرية، وبعضها الآخر يصرخ بصمت مرعب.
"توقف يا زيد،" قالت داليا، وصوتها يتردد في القاعة كأنه قادم من عمق بئر سحيقة. كان صوتها يحمل نبرة دافئة، نبرة استطاعت لسنوات أن تذيب جليد روحه. "هل ستقتلني مجدداً؟ أم أنك هذه المرة ستقرر أخيراً أنني لست سوى وهمٍ تحاول الهروب منه؟"
شعر زيد بقطرات العرق الباردة تنزلق على صدغه. قبض على مقبض خنجره المخبأ، لكن أصابعه ارتجفت. الصراع الذي يمزق أحشاءه لم يكن مجرد صراع بين بطل وكيان شيطاني، بل كان صراعاً بين عقله الذي يصرخ بالتحذير، وقلبه الذي يرفض الاعتراف بأن تلك العيون العسلية لا تنتمي للمرأة التي يحب.
"داليا..." همس، صوته كان مزيجاً من التوسل والتهديد. "أين أنتِ؟ أعلم أنكِ خلف هذا الزجاج اللعين. لا تتركي هذا الكائن يتلاعب بي."
خطت "داليا" نحوه. كانت حركتها انسيابية، مفترسة بجمالها. توقفت على بعد سنتين منه، ومدت يدها لترفع ذقنه بأصابع باردة كالثلج. صعقة كهربائية سرت في جسده، انجذاب مغناطيسي لا يقاوم، رغبة بدائية في التهامها والالتصام بها حتى ينسى العالم، حتى لو كان ذلك يعني هلاكه.
"أنا هنا،" همست، وأنفاسها برائحة الياسمين الذابل تداعب وجهه. "لماذا تبحث عني في المرايا بينما أنا بين ذراعيك؟ أليس هذا ما أردته دائماً؟ أن نكون معاً، دون قيود، دون وعود كاذبة؟"
ميل زيد برأسه نحو يدها، مغمضاً عينيه للحظة ضعف نادرة. كان التوتر يمزق أعصابه، الهواء في القاعة أصبح ثقيلاً، مشحوناً برائحة الخطر والشهوة المظلمة. شعر بخفقان قلبها تحت كفها؛ كان خفقاناً منتظماً، مخيفاً في ثباته.
"أنتِ لستِ هي،" تمتم زيد، بينما يده الأخرى بدأت تتحسس خصرها، يقربها منه بقسوة تغلفت بشغف عنيف. "داليا الحقيقية لا تلمسني بهذه البرودة. داليا الحقيقية تشتعل غضباً عندما أقترب منها، لا تغريني."
ضحكت "داليا"، وصدى ضحكتها تضاعف في القاعة ليتحول إلى شقشقة معدنية. اقتربت أكثر، حتى التقى صدرهما. شعرت بقوة جسده، بتصلب عضلاته، وتجاوبت معه بضغطات خفيفة ومستفزة. كان التناقض ينهشه؛ يدرك كذبتها، لكنه يعشق طعم الخطر الذي يتدفق في عروقه كلما اقتربت.
"إذا كنتُ وهماً،" همست في أذنه، ولسانها لامس شحمة أذنه بجرأة جعلت دماءه تغلي، "فمن الذي يمنعك من دفعي بعيداً الآن؟ لماذا لا تزال يداك تضغطان على خصري وكأنك تخشى أن أتلاشى في الهواء؟ اعترف يا زيد.. أنت لا تريد الحقيقة. أنت تريدني، حتى لو كنت الجحيم الذي سيحرقك."
دفعها زيد بقوة، لا تملقاً، بل ليخلق مسافة تنقذه من الانهيار. اصطدم ظهرها بمرآة ضخمة، لكنها لم تنكسر. بدلاً من ذلك، ظهر خلف الزجاج وجه داليا الحقيقية. كانت عيناها متسعتين، مملوءتين بالدموع والرعب، ويديها تضربان الزجاج من الداخل بصمت مطبق.
توقف أنفاس زيد. كانت هناك، في سجنها العاكس. الرؤية جعلت قلبه يتوقف للحظات. التفت إلى "داليا" التي كانت تقف أمامه، بابتسامة باهتة لا تحمل أي تعاطف.
"هل رأيت؟" قالت الكيان وهي تلمس زجاج المرآة بأطراف أصابعها، وكأنها تداعب وجه سجينتها. "هي تراقبنا. هي تشعر بكل لمسة، بكل نفس. ألا تجد في ذلك متعة خاصة يا زيد؟ أن تكون خائناً أمام عينها، بينما هي عاجزة عن فعل أي شيء سوى التفرج؟"
اشتد الصراع في عينيه. الانجذاب نحو الكيان كان مرعباً ومغرياً، كإغراء الهاوية لمن يقف على حافتها. كانت الكيان تجسيداً لرغباته المكبوتة، لجانبه المظلم الذي يريد التخلي عن كل شيء، عن العهد، عن الوفاء، عن داليا نفسها، ليغرق في هذا الوهم اللذيذ.
"سأخرجها،" قال زيد، وصوته يرتجف من حدة الغضب. "سأحطم هذا المكان فوق رأسكِ ورأسي."
"لن تفعل،" قالت الكيان وهي تقترب منه مجدداً، محاصرة إياه بين جسدها والمرآة التي تحبس داليا. "لأنك إذا حطمت الزجاج، ستنكسر هي معه. هل أنت مستعد لدفع هذا الثمن؟ هل أنت مستعد لقتلها لكي تستعيدها؟"
في تلك اللحظة، رأت داليا الحقيقية في المرآة زيد. حركت شفتيها بكلمات لم يسمعها، لكنه قرأها بوضوح في عينيها اللتين توسلتا إليه ألا يستسلم. ساد صمت مطبق في القاعة، ولم يقطعه سوى صوت انكسار خفيف ومفاجئ. لم يكن الزجاج هو الذي انكسر، بل كان شيئاً ما في توازنهما.
فجأة، بدأت المرايا المحيطة بالاهتزاز بعنف، وتغيرت انعكاسات داليا في الزجاج. لم تعد نسخاً منها، بل تحولت إلى انعكاسات لزيد نفسه في حالات ضعف وخيانة مختلفة. بدأت الجدران تتقلص، وكأن القاعة تحاول ابتلاعهم.
"زيد،" صرخت الكيان، وقد تغير صوتها فجأة ليصبح أقرب لصوته هو، "اختر! الآن!"
في لحظة تهور، اندفع زيد ليسحب "داليا" من خصرها، لكن بدلاً من ملمس الحرير الدافئ، شعرت يداه ببرودة المعدن، وجسدها بدأ يتلاشى بين ذراعيه كالدخان. وفجأة، انطفأت جميع الأضواء في القاعة، ولم يتبقَ سوى صوت دقات ساعة قديمة لم يلحظ وجودها من قبل، تتسارع دقاتها وكأنها عد تنازلي.
في الظلام الحالك، شعر زيد بأنفاس على رقبته، لكنها لم تكن أنفاس "الكيان"، بل كانت أنفاساً دافئة، بشرية، ومضطربة.
"زيد؟" همس صوت داليا الحقيقية، بدا قريباً جداً، خلف أذنه مباشرة، في عالم الظلام الذي لا يراه فيه أحد.
قبل أن يتمكن من الرد أو الالتفات، شعر بيد باردة تمسك بيده، وأخرى تخترق صدره ببرودة الجليد.