كانت الغرفة غارقة في صمتٍ ثقيل، صمتٍ لا يقطعه سوى أنفاس داليا المتسارعة التي بدت في أذنيها كقرع طبول الحرب. أمامها، كان يقف هو. أو من ظنت أنه هو. لم يكن الاختلاف في ملامح الوجه؛ فزيد الراشد كان لا يزال يحتفظ بتلك العيون التي تشبه عتمة المحيط قبل العاصفة، وتلك الزوايا الحادة في فكه التي كانت تجذبها كالمغناطيس في لحظات الضعف. لكن شيئاً ما في "حضوره" قد تبدل. الهواء حوله أصبح بارداً، لزجاً، مشحوناً برائحة تشبه الأوزون والتراب المبلل، رائحة الموت الذي يرتدي قناع الحياة.
تراجعت داليا خطوة إلى الوراء حتى ارتطم ظهرها بالجدار البارد. كان "زيد" يراقبها، عيناه تلمعان ببريق غير بشري، وكأنه يدرس رد فعلها كما يدرس عالمٌ حشرةً تحت المجهر.
"لماذا ترتجفين يا داليا؟" صوته كان عميقاً، مألوفاً لدرجة الألم، لكنه افتقر إلى تلك الرعشة الإنسانية التي كانت تكسر حدته سابقاً. "هل أخافكِ انكشاف الحقيقة؟ أم أنكِ خائفة من أنكِ لا تزالين ترغبين في الاقتراب، رغم معرفتكِ أنني لستُ سوى هاوية؟"
اقترب خطوة. لم يمشِ، بل بدا وكأنه انزلق في الفراغ ليختصر المسافة بينهما. تجمدت داليا. الصراع داخلها كان ينهش روحها؛ قلبها الذي لا يزال ينبض باسمه، وعقلها الذي يصرخ بأن هذا الكيان ليس سوى تجسيد لوعود مسمومة.
"أنت لست هو،" همست، وصوتها يرتجف لكنه حمل حدة السكاكين. "أنت ظله الذي سرق صوته، وعتمته التي ابتلعت ضياءه. أين زيد؟ أين الرجل الذي عرفته؟"
ضحك الكيان، وكانت ضحكته تردداً في أركان الغرفة، لا تشبه أي بشر. وضع يده على الجدار بجانب رأسها، محاصراً إياها. كانت يده باردة كالثلج، لكن حرارة غير طبيعية انبعثت منه، حرارة تحرق الجلد ولا تدفئ الروح. انحنى ليقترب من أذنها، وشعرت بأنفاسه التي لم تكن تحمل دفء الحياة.
"زيد الذي عرفتِه كان ضعفاً، مجرد قشرة هشة تغلف رغباتي الحقيقية،" همس بالقرب من عنقها، مما جعل قشعريرة عنيفة تسري في جسدها. "أنا كل ما كان يطمح إليه، وكل ما كان يخشى الاعتراف به. أنا الغضب الذي كبته، والظلمة التي سكنت قلبه. ألا تشعرين بهذا الانجذاب؟ هذا ليس حباً يا داليا، هذا اعترافُ الضحية بقاتلها. أنتِ تحبين هذا الانكسار فيّ."
حاولت داليا دفعه، لكن جسدها خانها. بدلاً من ذلك، وجدت أصابعها تلامس نسيج قميصه، تشده بقوة في محاولة يائسة لتبحث عن قلبٍ ينبض خلف هذا القناع. كان التوتر بينهما يصل إلى نقطة الغليان؛ الرغبة العنيفة في الهرب تتصارع مع جاذبية مغناطيسية تجذبها نحوه، نحو هذا الخطر الذي يهدد كيانها.
"أنت كاذب،" قالت، بينما كانت عيناها تغرقان في عتمة عينيه. "زيد كان يملك روحاً... شيئاً لم تستطع سرقته."
أمسك بذقنها بقوة، أجبرها على رفع رأسها لتلتقي نظراتهما. في تلك اللحظة، رأت داليا شيئاً في أعماق عينيه؛ ومضة من الألم، صرخة صامتة لشخصٍ محبوس خلف جدران زجاجية. هل كان زيد هناك فعلاً؟ هل كان يراقبها من خلف هذا القناع الوحشي؟
"إذا كنتِ تظنين أنني كاذب، فاثبتي ذلك،" قال الكيان بتحدٍ بارد. أخرج من جيب معطفه خنجراً صغيراً، نصله يعكس الضوء الخافت للغرفة، ووضعه في يدها. "أغرزيه في صدري. إذا كنتُ مجرد طيف، فسيخترق النصل الهواء ولن يمسني سوء. وإذا كنتُ زيد، فستكون هذه نهايته."
تراجعت داليا، وقد تجمدت الدماء في عروقها. "أنت تجبرني على قتله! أنت تريد أن أكون الجلاد!"
"أنا أمنحكِ الاختيار الذي طلبتِه،" قال بهدوء مرعب، مقترباً أكثر حتى التمس صدره صدرها. "أنتِ عالقة بين نارين يا داليا. نار خيانتي، ونار رغبتكِ التي لا ترحم. إذا لم تقتلينني الآن، فسوف أبتلع كل ذرة خير متبقية في هذا الكيان."
كانت داليا تتنفس بصعوبة. يدها التي تحمل الخنجر كانت ترتجف بشدة. كانت تشعر بحرارة أنفاسه على وجهها، وبلمساته التي بدأت تتحول من التهديد إلى نوعٍ من التملك المهووس. كان هناك صراع داخلي هائل؛ جزءٌ منها يريد أن يطعنه لينهي هذا الكابوس، وجزءٌ آخر يتوسل إليها أن تتركه، أن تغفر لهذا الوحش فقط لأنه يحمل وجه الرجل الذي أحبته حتى الموت.
فجأة، تغيرت ملامح "زيد". انحسرت البرودة، وظهرت تعابير بشرية واضحة، محطمة، ومؤلمة. "داليا..." نطق الاسم بصوتٍ لم يكن غريباً، بل كان صوته هو، زيد، الذي تعرفه جيداً. كان صوتاً يحمل ندبات السنين. "داليا، ارجوكِ... لا تنظري إلى العينين، انظري إلى اليدين."
تسمرت داليا. نظرت إلى يده التي كانت تمسك يدها التي تحمل الخنجر. كانت أصابعه ترتجف، تماماً مثل أصابعه. هل هو؟ هل عاد؟
"لا تصدقيه!" صرخ الصوت من داخل "زيد" مجدداً، ليعود القناع البارد إلى وجهه. "إنه يلعب بعقلك! هو لا يملك صوتاً سوى ما استلفه مني!"
ساد صمت مطبق. كان الخنجر بينهما، يمثل الحد الفاصل بين الحقيقة والزيف، بين الحياة والموت. داليا، التي كانت تغرق في حيرتها، اتخذت قرارها بتهور. لم تغرز الخنجر في صدره، بل دفعته بكل قوتها نحو النافذة الزجاجية خلفه.
تهشم الزجاج، وتطايرت الشظايا كأنها نجوم متساقطة في ليلة مظلمة. تعثر "زيد" إلى الخلف، وبدا وكأنه يفقد تماسكه، جسده بدأ يضطرب، يتذبذب بين كونه بشراً وبين كونه كياناً بلا ملامح. سقط على حافة النافذة، ونصف جسده معلق فوق الفراغ المظلم بالخارج.
أمسكت داليا بذراعه بسرعة، خوفاً من أن يسقط، لكنها تفاجأت بلمسة يده. لم تكن باردة، بل كانت ساخنة كالجمر، كأنها تحرق جلدها.
"داليا..." همس زيد، هذه المرة لم يكن هناك شك في هوية الصوت. كانت عيناه، تلك العيون العسلية التي تعشقها، تنظر إليها بوضوح للحظة واحدة فقط. "لا تتركي يدي... لأنني إذا سقطتُ الآن، لن أعود أبداً."
في تلك اللحظة، انهار السقف فوقهما تحت وطأة قوى غير مرئية، وانطفأت كل الأنوار، تاركة إياهما في ظلام دامس، معلقين بين الحياة والسقوط، وبين الحقيقة والخداع.