كان الهواء في المستشفى الميداني مثقلاً برائحة اليود، العرق، والبارود الذي لا يغادر ثياب النازحين. وقفت داليا عند نافذة الغرفة الصغيرة، تحدق في التلال الكردية التي كانت تتشح بظلال الغسق. كانت يداها ترتجفان ببطء تحت غطاء مئزرها الأبيض، وهو ارتعاش لم يكن سببه البرد، بل صدى صرخات امرأة خيطت جرحها للتو دون تخدير كافٍ، لأن الإمدادات قد نفدت منذ يومين.
"داليا، المترجم ينتظر بالخارج. قائد الفصيل يريد معرفة ما إذا كان المصاب سيصمد حتى الصباح."
التفتت داليا ببطء. لم يكن هذا الصوت غريباً؛ كان صوت زيد. دخل إلى الغرفة بخطوات واثقة، رغم أن الضوء الخافت لم يكن يسمح برؤية ملامحه بوضوح. كان يرتدي زيه العسكري الممزوج بملابس مدنية، يضع وشاحاً يغطي نصف وجهه، لكن عينيه... كانتا حادتين كشفرة جراح، تنظران إلى روحها لا إلى وجهها.
قالت داليا بصوت حاولت جعله صلباً: "أخبره أن المصاب يحتاج إلى دماء، وإلى سلام. وبما أن أياً منهما غير متوفر في هذه البقعة الملعونة من الأرض، فليستعد لدفنه قبل بزوغ الفجر."
اقترب زيد خطوة واحدة، خفتت فيها أصوات القصف البعيدة. قال بصوت منخفض، خشن، يحمل نبرةً تتسلل إلى أعماقها كالمخدر: "أنتِ قاسية اليوم يا طبيبة. هل تعتقدين أن القسوة تحميكِ من عالم لا يرحم؟"
نظرت إليه داليا، مستنكرة جرأته. "القسوة هي الشيء الوحيد الذي أبقاني على قيد الحياة يا زيد. هل جئت لتلقي عليّ درساً في الأخلاق، أم لتعود إلى عملك كظلٍّ لهذه القوات؟"
ابتسم زيد ابتسامة لم تصل إلى عينيه. كان يعلم تماماً أنها ليست تلك الطبيبة المبتدئة التي تدعيها. لاحظ في نوباتها الليلية أنها لا تنام إلا وهي ممسكة بقطعة معدنية صغيرة، تميمة غريبة، لاحظ أيضاً أنها تكتب مذكراتها بلغة غامضة ترفض أن يراها أحد. كان يراقبها، ليس لأنها مهمة استخباراتية فحسب، بل لأنها لغز كان يغويه كالفراشة نحو لهب مشتعل.
"أنا هنا لأنني أهتم،" أجاب زيد وهو يقلص المسافة بينهما حتى شعرت بحرارة أنفاسه. "وهذه الجروح التي تعالجينها... ألا ترين أنها تشبهك؟ ندوب مغطاة بالشاش، تتظاهر بالالتئام بينما النزيف داخلي ومستمر."
تراجعت داليا خطوة، لكن ظهرها اصطدم بالطاولة المعدنية. شعرت بضيق التنفس. كانت تخشى زيد، ليس لأنه عدو، بل لأنه كان الوحيد الذي يرى "داليا الحقيقية" خلف قناع "الطبيبة المنسية". قالت بنبرة مخنوقة: "لا تحاول تحليل شخصيتي يا زيد. أنت لا تعرف شيئاً عني، وعن الجحيم الذي فررت منه."
ضحك زيد ضحكة مكتومة، ثم انحنى قليلاً ليقترب من أذنها، هامساً: "أعرف أنكِ لا تملكين تاريخاً قبل عامين. أعرف أنكِ تضعين ملحاً في جروحك أحياناً لتبقي مستيقظة من كوابيسك. وأعرف أيضاً، أنكِ تخافين مني لأنكِ تشعرين بالرغبة في الاعتراف لي بكل شيء."
تصلبت داليا. نبضات قلبها تسارعت بشكل جنوني. رفعت يدها لتبعده، لكنه أمسك برسغها بقوة، لا لتؤذيها، بل لتثبيتها. كانت لمسته كهربائية، مشحونة بتوتر جنسي محرم في مكان تحكمه قوانين الموت.
"اتركني،" قالت داليا، وهي تشعر بأن دفاعاتها تتهاوى.
"لو تركتكِ، من سيحميكِ حين تكتشف استخبارات القوات المحلية أنكِ لستِ من تدّعين؟" سأل زيد وهو يفك وشاحه، كاشفاً عن وجهه الذي كان يحمل ندبة قديمة فوق حاجبه. "أنا الجدار الوحيد بينك وبين الهاوية، داليا. فكري في الأمر."
قبل أن تتمكن من الرد، دوّى انفجار قوي هز أركان المستشفى الميداني. انطفأت الأضواء، وسقطت الأدوات الطبية على الأرض بضجيج معدني حاد. في الظلام الدامس، شعرت داليا بيد زيد القوية تسحبها إلى زاوية الغرفة، ليحميها بجسده من شظايا الزجاج المتطايرة.
"ابقي هنا،" أمرها زيد بصوت حاد، بينما كان يستل سلاحه من تحت ملابسه.
في تلك اللحظة، وسط غبار الحرب وصمت الرعب، وجدت داليا نفسها ملتصقة بصدره، تشم رائحة دمه الممزوجة بالتبغ. كان الخطر يحدق بهما من الخارج، لكن الخطر الحقيقي كان ينمو بينهما. وفجأة، ساد صمت مطبق، ثم سمعت داليا صوت خطوات عسكرية تقترب من باب الغرفة، وصوت زيد يهمس في ظلامها: "لقد وجدوني.. ليس بسببي، بل بسببك أنتِ."