كان الهواء في الأسفل يحمل طعم المعدن الصدئ والغبار العتيق، كثافة لم تعهدها رئتا "نور" من قبل. السقوط لم يكن انهياراً صخرياً عادياً، بل بدا وكأن الأرض قد ابتلعتهما بوعيٍ تام، كأنها "أمعاء" وحشٍ أسطوري قرر فجأة أن يهضم زائريه.
استقرت نور على أرضيةٍ صلبة، لكنها لم تكن صخراً. كانت مادةً ملساء، دافئة، وتنبض بإيقاع خافت يشبه دقات قلب عملاق في سباتٍ أبدي. سعلت بشدة، مستنشقة هواءً خانقاً تفوح منه رائحة الكبريت والمسك القديم.
"نور؟"
جاء صوته من الظلام المجاور، أجشاً، يحمل رنة من الألم المكتوم والسيطرة التي لا تتزعزع. كان صوت "عُمر بن زيد"، القائد الذي عُرف بكونه صخرةً لا تلين أمام أعتى المعارك.
تحسست يدها الأرض من حولها، ثم تحركت نحو مصدر الصوت. لم تكن الرؤية واضحة، لكن وميضاً أزرق شاحباً بدأ يتسرب من شقوق في الجدران، كعروقٍ زرقاء تتوهج تحت جلد الكهف. تحت هذا الضوء الخافت، رأت عُمر. كان مستنداً إلى جدار منحدر، قميصه الممزق يكشف عن كتفٍ يتدفق منه دم داكن، وعيناه... تلك العينان اللتان كانتا تتوهجان كجمر تحت رماد، كانتا مثبتتين عليها بحدة تفترس المسافة بينهما.
اقتربت منه، أنفاسها تتسارع. "أنت تنزف."
ضحك عُمر، وهي ضحكة لم تحمل مرحاً، بل سخرية من القدر. "هذا الجرح هو أقل مخاوفنا يا نور. انظري حولك."
رفعت نور رأسها، وتجمدت دماءها في عروقها. لم نكن في كهف. كنا في قاعة شاهقة الارتفاع، جدرانها مغطاة بحراشف عملاقة لا يمكن أن تكون من صنع البشر. أعمدة شاهقة من عظامٍ متحجرة ترتفع نحو سقف لا يرى آخره، ومن تلك الأعمدة، كانت تتدلى سلاسل حديدية ضخمة، يتردد صدى اهتزازها في المكان كأنينٍ جنائزي.
"المكان يستجيب لنا،" همس عُمر، وقد تحامل على نفسه لينهض، متجاهلاً ألمه. اقترب منها، وكان طوله وقوته يطغيان على الحيز الضيق بينهما. عندما أصبح على بعد سنتيمترات منها، شعرت نور بحرارة جسده الجسورة. "كلما نبض قلبكِ بقوة، استيقظت هذه الجدران. أنتِ لستِ مجرد عابرة هنا، يا نور. أنتِ المحفز."
تراجعت خطوة، فاصطدم ظهرها بجسده الصلب. كانت تحاصرها رائحته؛ مزيج من خشب الأرز، البارود، وتلك الهالة المظلمة التي تحيط به. نظرت إلى وجهه؛ كان نحيتاً كتمثالٍ إغريقي، وندبة صغيرة تقطع حاجبه الأيسر تمنحه مظهراً يجمع بين القسوة والفتنة.
"لا تلمسني، عُمر،" قالت، لكن صوتها كان مرتعشاً، ليس خوفاً منه، بل خوفاً من ذلك التيار الكهربائي الذي سرى في جسدها حين اقترب.
ابتسم ابتسامة باهتة، ذات طابعٍ مفترس. رفع يده، وبأطراف أصابعه الخشنة، أزاح خصلة شعرٍ كانت تلتصق بجبهتها الملطخة بالغبار. لمسته كانت كلسعة نار. "لا تخافي مني. العالم في الخارج يخشى غضبي، لكن هنا... هنا، نحن الوحيدان اللذان يمتلكان دماءً دافئة في مقبرة ملوك التنانين."
أمسك بذقنها برفق، مجبراً إياها على النظر في عينيه. كان هناك شيءٌ مظلم، شيءٌ يوحي بأنه يعرف الكثير عما سيحدث، وأنه مستعدٌ لاحتراق العالم إذا كان الثمن هو بقاؤهما معاً. "سأحفظكِ من هذا المكان، نور. سأجعلكِ جزءاً من نصرتي، أو سأجعلكِ أول ضحايا انهياره. الخيار لكِ."
في تلك اللحظة، بدأت القاعة تهتز. ليس بفعل زلزال، بل بفعل استيقاظٍ مرعب. الحراشف على الجدران بدأت تتساقط كأوراق الخريف الجافة، وانبعث صرير معدني حاد، كأن بوابةً لم تفتح منذ آلاف السنين قد بدأت تتحرك.
تلاشت المسافة تماماً. جذبها عُمر إليه بقوة، يده تطوق خصرها بإحكام، ليدفع بها خلف درع جسده. كانت تلمس صلابة عضلاته تحت قميصه الممزق، وكان نبض قلبه يقرع في صدره كطبل حرب. في تلك الظلمة المطبقة، وبينما كانت الأصوات المحيطة تزداد جنوناً، شعرت نور بيد عُمر الأخرى تتحسس مقبض خنجره المسحور الذي كان يغوص في فخذه.
"استعدي،" همس في أذنها، وشفتيه لامستا شحمة أذنها، مما أرسل قشعريرة في عمودها الفقري. "ما أيقظناه ليس تنانين. إنه الجوع الصرف."
فجأة، انطفأت كل الأضواء الزرقاء، وساد ظلام دامس لا تخرقه إلا أنفاسهما المتلاحقة. وفي ذلك الظلام، سمعت صوتاً... ليس صوتاً بشرياً، بل صوت زئيرٍ عميق، مهيب، ومخيف، يهز كيان الكهف بالكامل. شعرت بيد عُمر تشد قبضتها على يدها، ليس كقائدٍ يحمي تابعته، بل كرجلٍ يمسك بآخر ما يربطه بالحياة.
تسمرت في مكانها حين شعرت بشيءٍ ضخم، ساخن، وذكي، يتنفس خلفهما مباشرة. لم يكن هناك مفر.
"لا تنظري خلفك،" همس عُمر، وصوته كان يرتجف لأول مرة منذ عرفته. "فقط اركضي عندما أقول لكِ."
لكن قبل أن تتحرك، انفتحت الأرض تحت أقدامهم مرة أخرى، ليس لتسقط بهما، بل لترتفع بهما إلى الأعلى، نحو تجويفٍ ضوئي ساطع كالشمس وسط العتمة. وفي تلك اللحظة، رأت نور ما كان يطاردهما؛ زوجاً من العيون المشتعلة بذهبٍ منصهر، تعلوهما حراشف سوداء تمتص الضوء، وتلتف حولهما أجنحة كأنها الليل نفسه.
سحبها عُمر إلى الأعلى، مخترقاً ذلك الحاجز الضوئي، بينما انغلق الكهف خلفهما كفخٍ يغلق على فريسته، تاركاً إياهما في مكانٍ جديد، تماماً، لم تكن تعرفه الخرائط.
"أهلاً بكِ في الجحيم الحقيقي، يا نور،" قال عُمر، وبينما كانت يده لا تزال تقبض على يدها، أدركت نور أن الرحلة لم تبدأ بعد.